تسارعت وتيرة التحركات التركية بين القيادات العسكرية الليبية خلال أقل من شهر، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة أنقرة للملف الليبي، ويثير تساؤلات حول أهداف هذا الحراك.
يأتي ذلك في وقت لا تزال فيه «المبادرة الأميركية»، الهادفة إلى إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد السلطة التنفيذية، تراوح مكانها، رغم مرور أشهر على طرحها.
وينظر مراقبون باهتمام لمباحثات أجراها ممثلا حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، مع الجانب التركي الممثل في رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، ووزير الخارجية هاكان فيدان.
نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر في لقاء مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة في يوليو الماضي (القيادة العامة)
واكتفى الجانبان بالإعلان أنهما بحثا تطورات المسار السياسي، وسبل دعم جهود الاستقرار وإنجاح العملية السياسية، وتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية.
وتكتسب هذه المباحثات أهمية مضاعفة لكونها جاءت بعد أقل من أسبوعين على زيارة نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، إلى تركيا، حيث التقى فيدان، وبحثا آخر التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
ويرى مراقبون أن هذا الانفتاح التركي المتواتر والمتزايد على طرفي الانقسام يعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي، يواكب المتغيرات الليبية والإقليمية، في ظل حديث متواصل عن مبادرة يقودها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس.
مسعد بولس (أ.ف.ب)
وفي هذا السياق، لا يستبعد جواد جوك، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية في تركيا، أن «تكون مبادرة بولس قد أسهمت في زيادة وتيرة التحركات التركية تجاه ليبيا، لكن لا يوجد دليل مباشر يثبت وجود ارتباط بين الأمرين».
كما يرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أنقرة «تسعى بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على الاتفاقات الأمنية والعسكرية الموقعة مع ليبيا، تحسباً لأي تسوية سياسية قد تفضي إلى توحيد مؤسسات السلطة».
وتستند هذه الاتفاقات إلى مذكرتي التفاهم اللتين وقعها الجانبان في إسطنبول أواخر عام 2019، وتشملان ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، والتعاون الأمني والعسكري، واللتين شكلتا منذ ذلك الحين ركيزة العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة وطرابلس.
الرئيس التركي في لقاء سابق مع رئيس البرلمان الليبي بحضور رئيس البرلمان التركي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)
تصفح أيضًا: الفيصلي يطلب استعارة يزن النعيمات
وبحسب اعتقاد الخبير التركي، فإن أنقرة «تسعى كذلك إلى تعزيز حضورها في شمال أفريقيا، ومنافسة روسيا وقوى إقليمية أخرى، بما يحافظ على نفوذها في شرق البحر المتوسط، ويؤمن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما يفسر تنامي تحركاتها خلال الفترة الأخيرة».
ومع ذلك، فإن «التحركات التركية لا تقتصر على التعاون العسكري، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاستراتيجية، حيث تحرص أنقرة على حماية مصالحها المرتبطة بالإعمار وقطاع الطاقة، في ظل ما تمتلكه ليبيا من احتياطيات نفطية كبيرة».
ويتزامن هذا الحراك السياسي مع توسع الحضور الاقتصادي التركي في شرق ليبيا؛ إذ تنامى دور أنقرة بشكل متزايد في مشاريع إعادة الإعمار، كما تستعد مدينة بنغازي لاستضافة ملتقى ليبي – تركي للشركات والمصانع والاستثمار.
ويرى محللون أن أنقرة تمضي في مساعيها لبناء علاقات متوازنة مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، وتحديداً في شرق البلاد، بعدما انحاز دعمها خلال حرب طرابلس (2019 – 2020) إلى حكومة الوفاق السابقة في غرب البلاد.
من لقاء سابق بين رئيس الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة والرئيس إردوغان (الرئاسة التركية)
ويرى المحلل السياسي الليبي، عمرو بوسعيدة، أن أنقرة «باتت تدرك أن الاستقرار السياسي والمؤسسي المرتقب في ليبيا يتطلب انتهاج مواقف أكثر توازناً، وهو ما يفسر انفتاحها على التواصل المباشر مع القيادة العامة للجيش الوطني».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تركيا تسعى إلى بناء شبكة أمان تحمي استثماراتها ومصالحها المستقبلية من مخاطر الإلغاء أو التهميش، في حال التوصل إلى حكومة موحدة، أو ترتيبات أمنية وسياسية شاملة»، مبرزاً أن «تكثيف الاتصالات التركية مع القيادة العامة لا يعكس مجرد مناورة تكتيكية، بل يأتي استجابة لمعادلات الواقع، بعدما فرضت القيادة العامة نفسها طرفاً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تتعلق باستقرار ليبيا»، وعادّاً أن «أنقرة تعمل على إيجاد نقاط تقاطع مع مختلف الأطراف الليبية، بما يضمن الحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية».
الدبيبة مستقبلاً وزير الخارجية التركي والوفد المرافق له خلال زيارة سابقة لطرابلس (الخارجية التركية)
وكانت تركيا قد استضافت في مايو (أيار) الماضي لقاءً جمع صدام والزوبي، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً مبكراً على انفتاح أنقرة على القيادات العسكرية في شرق ليبيا. كما تداولت وسائل إعلام محلية أنباء عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى طرابلس، من دون تأكيد رسمي من الجانبين.
ووفق هذه المعطيات، فإن القيادي في حزب «ليبيا النماء» بطرابلس، حسام فنيش، يدرج التحركات التركية الأخيرة بين القيادات العسكرية الليبية «في سياق تحركات إقليمية أوسع، لا سيما مع تكثيف الاتصالات المصرية مع الأطراف الليبية في غرب البلاد».
ويخلص في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أنقرة تريد أن تكون شريكاً في أي ترتيبات أمنية أو عسكرية قد ترافق (مبادرة بولس)»، لافتاً إلى أنها «تحرص على البقاء على اطلاع دائم بالتطورات الميدانية المتسارعة، خصوصاً بعد المظاهرات التي شهدتها طرابلس، والتطورات الأمنية في مدينة الزاوية مؤخراً».
وتستهدف «المبادرة الأميركية» توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات. وتتناقل أوساط سياسية أن المقترح يقضي بالإبقاء على رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل تولي صدام رئاسة المجلس الرئاسي.




