تبقى أنظار اللبنانيين مشدودة إلى الاجتماعات التي تُعقد بين رؤساء الوفود العربية والأجنبية على هامش انعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة لعلها تحمل انفراجاً يؤدي إلى إخراج المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية من الدوران في حلقة مفرغة في ضوء ما يتردد على لسان دبلوماسيين عرب وأجانب معتمدَين لدى لبنان بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصرّ على ترحيلها إلى ما بعد إجراء انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وبالتالي يُبقي عليه معلقاً على نتائجها.
فلبنان لا يزال يراهن على التدخل الأميركي للضغط على نتنياهو لتهيئة الأجواء أمام انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات لإزالة العراقيل التي ما زالت تحاصرها وتحُول دون حصول اختراق يؤسَّس عليه لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» على مراحل بدءاً بتوسيع «المنطقة التجريبية» بشمولها مدناً وقرى جنوبية محتلة، وتشكيل «آلية التحقق» الدولية للتأكد من انتشار الجيش اللبناني فيها وخلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه.
وفي هذا السياق، يراهن لبنان على اللقاء الذي عُقد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اتسم بالإيجابية، نقلاً عن دبلوماسي فرنسي بارز في لبنان، لعلها تنسحب على المفاوضات في جولتها الثامنة التي تستضيفها روما للمرة الثالثة، مع أن موعد انعقادها لم يحدد حتى الساعة وهو متروك لواشنطن، على أمل، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، أن تُعقد قبل إجراء انتخابات الكنيست في إسرائيل.
ولفت المصدر الوزاري إلى أنه يُتوقع بأن لبنان كان حاضراً في لقاء ترمب – ماكرون الذي كان أبلغ رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عندما التقاه والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، على هامش استضافة باريس المؤتمر الدولي التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، بأن الوضع المتأزم في لبنان يلقى منه كل اهتمام وسيدرجه على جدول أعمال اجتماعه بنظيره الأميركي.
مقر سفارة الولايات المتحدة في روما حيث أُجريت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أغسطس الماضي (أ.ب)
وأكد أن لبنان لا يحتمل استمرار المراوحة التي تطغى على المفاوضات، وهو الآن بأمس الحاجة إلى تحقيق انفراج يفتح الباب أمام تفعيل «اتفاق الإطار» على نحو يعبّد الطريق، أمام بدء تنفيذه على مراحل، لئلا تبقى المفاوضات معلقة على «مذكرة التفاهم» الأميركية – الإيرانية، مع أن واشنطن ترفض ربط المسار اللبناني بإيران وتصرّ على الفصل بينهما، بخلاف «حزب الله» الذي يتمسك بها انطلاقاً من تقدير بعض نوابه بأن لبنان يدخل في صلب معادلة مضيق هرمز وباب المندب ولا يمكن تحييده عنهما.
تصفح أيضًا: نشاط دبلوماسي سوري لهندسة التحول إلى نقطة «استقرار إقليمي»
وجدد المصدر قوله بأن لبنان يتمسك بتطبيق «اتفاق الإطار» ولم يعد أمامه من خيار بديل بعد أن جرّب «حزب الله» الحل العسكري الذي رتّب على البلد أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بثمن وكان في غنى عنها لو أنه امتنع عن إسناده غزة وإيران واستعاض عنهما بإسناده لبنان.
ورأى بأن لبنان يدخل حالياً في وضع استثنائي صعب مع تفاقم الأزمات المعيشية والاجتماعية التي تتطلب منه البحث عن حلول ولو متواضعة لقطع الطريق على من يحاول استغلالها بارتفاع منسوب الدعوات للنزول إلى الشارع ما يهدد السلم الأهلي. وأعرب عن أمله أن توصل ماكرون إلى إقناع ترمب بضرورة توسيع «المنطقة التجريبية» بالتلازم مع إزالة العراقيل أمام تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش والتوافق على ملء الفراغ الناجم عن انتهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) في جنوب لبنان نهاية العام الحالي في حال أن ترمب لم يتجاوب مع دعوة ماكرون بالتمديد لها ما بين ستة أشهر وسنة إلا في حال تقرر توسيع مهامها لأن حضورها غير فاعل من وجهة نظر واشنطن.
جندية في «يونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
وكشف أن إسرائيل تستبعد أي حضور دولي وتصرّ على التنسيق المباشر بين البلدين، وهذا ما يرفضه لبنان ويصرّ على تكثيف الحضور الدولي إلى جانب لجنة الـ«ميكانيزم» برئاسة أميركية بوصفها شاهداً أممياً للإشراف على الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار»، بما يمكّن الدولة من بسط سلطتها على أراضيها كافة، ويعوّل على دور واشنطن للضغط على تل أبيب، في مقابل إصراره على حصرية السلاح بيدها بعد أن تبيَّن أن لا جدوى منه ما دام أن الحزب يمتنع عن الرد على الخروق والاعتداءات الإسرائيلية ويلتزم بوقف النار وإن كان يهدد، على لسان أمينه العام نعيم قاسم، بأن لا عودة إلى ما كان عليه الوضع قبل 2 مارس (آذار) الماضي.
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
ولفت المصدر إلى أن لبنان على استعداد لأن يتسلم الجيش اللبناني تلال «علي الطاهر” من إسرائيل، وهو لا يمانع إنشاء نقطة مراقبة فيها يتولاها مراقبون جلّهم أميركيون. وقال بأنه يأمل من واشنطن الضغط على نتنياهو لمنعه من التوسع نحو إقليم التفاح وجبل الريحان. وأكد بأنه يتحسب منذ الآن لاحتمال توسعته للمنطقة الأمنية.
وأضاف بأن جنوح نتنياهو لتوسعتها قد يدخله في مواجهة مع «حزب الله» الذي سيضطر للدفاع عن آخر موقع استراتيجي له في الجنوب باعتباره معركة وجود، وهذا ما يتحسب له نتنياهو لئلا يدفع ثمناً غالياً في حال سقط له عدد من الضباط والجنود، ما ينعكس سلباً على وضعه الانتخابي لمصلحة منافسيه على رئاسة الحكومة.




