الرئيسيةالوطن العربيالأردن"فرح" أمام امتحان "حقك تعرف" .. هل تتعلم الحكومة من تجاربها الاتصالية...

“فرح” أمام امتحان “حقك تعرف” .. هل تتعلم الحكومة من تجاربها الاتصالية ؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

قبل نحو ثماني سنوات، أطلقت حكومة رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز منصة «حقك تعرف»، في تجربة اتصالية حكومية جاءت بهدف مواجهة الإشاعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة، وتقديم الرواية الرسمية للجمهور بسرعة ووضوح.

الحكومة آنذاك، قدمت المشروع وشرحت أهدافه، فيما قامت فكرته الأساسية على رصد ما يتداول في الفضاء العام، والتحقق منه، والتواصل مع الجهات الحكومية المعنية للحصول على المعلومة والرد الرسمي.

الفكرة، في ذلك الوقت، كانت تبدو منطقية وضرورية؛ فالإشاعة لا تنتظر مؤتمرًا صحفيًا، والمعلومة غير الدقيقة لا تمنح الحكومة وقتًا طويلًا للرد.

لكن تجربة “حقك تعرف” نفسها تطرح اليوم سؤالًا أكبر من مصير منصة بعينها.

فالمنصة شهدت، مع مرور السنوات، تغيرًا في مستوى حضورها ونشاطها، كما انتقلت إدارتها بين أكثر من جهة حكومية، قبل أن تعود إلى وزارة الاتصال الحكومي عام 2024.

وليس المقصود هنا الحكم على تجربة “حقك تعرف” بالنجاح أو الفشل، بقدر ما هو التوقف أمام مسألة تبدو أكثر أهمية: ماذا يحدث لأدوات الاتصال الحكومي عندما تتغير الحكومات، أو تتبدل الأولويات، أو تتغير فرق العمل؟

في الثالث من أيلول الحالي، أطلقت الحكومة “فرح”، باعتبارها إحدى أدوات التواصل الحكومي الرقمي، بهدف إيصال المعلومات الحكومية إلى المواطنين والمهتمين بطريقة واضحة ومبسطة، وشرح القرارات والسياسات الحكومية، وتوسيع قنوات التواصل مع الجمهور.

وهنا تبدأ المقارنة.

“حقك تعرف” كانت تجربة تعتمد على فريق إعلامي بشري يرصد الشائعات والمعلومات المتداولة، ويتواصل مع الوزارات والمؤسسات والناطقين الرسميين للحصول على المعلومة.

أما “فرح”، فتدخل إلى المشهد من بوابة مختلفة تمامًا؛ شخصية رقمية تستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمواكبة طبيعة الجمهور الجديد وسرعة الفضاء الرقمي.

لكن رغم اختلاف الأدوات، فإن الهدف في النهاية واحد: أن تصل المعلومة الحكومية إلى المواطن قبل أن تملأ الشائعة الفراغ.

وهنا تحديدًا يكمن الاختبار.

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى شخصية رقمية تتحدث بلغة سهلة، ولا إلى منصة حكومية تحمل اسمًا جذابًا، وإنما يحتاج إلى إجابة عندما يسأل: لماذا اتخذت الحكومة هذا القرار؟ ومتى يبدأ تطبيقه؟ ومن سيتأثر به؟ وهل هناك استثناءات؟ ولماذا لم توضح الحكومة الأمر منذ البداية؟

هذه هي الأسئلة التي تحدد قيمة أي تجربة في الاتصال الحكومي.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر الوقت، ويساعد في تبسيط المعلومات، ويفتح قناة اتصال جديدة مع الجمهور، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع معلومة حكومية غير موجودة، ولا أن يعوض غياب الرد الرسمي، ولا أن يحسم ملفًا ما زال قيد الدراسة.

نوصي بقراءة: الأمن العام يوضح تفاصيل حادثة الاعتداء على مركبة في القويسمة

ولهذا فإن نجاح “فرح” لن يكون في شكلها، ولا في قدرتها على جذب الانتباه في أيامها الأولى، وإنما في قدرتها على أن تصبح جزءًا من منظومة اتصال حكومي متكاملة.

والأهم من ذلك: هل ستبقى هذه المنظومة فاعلة بعد تغير الأشخاص والحكومات؟

هذه هي النقطة التي تستحق النقاش.

فالمشكلة ليست في أن تطلق الحكومة أدوات جديدة؛ بل في أن تتحول كل تجربة جديدة إلى بداية منفصلة عن التجارب السابقة، بحيث تضيع الخبرة المتراكمة، وتُعاد المحاولة من جديد، بينما يبقى المواطن في مواجهة سيل متسارع من المعلومات والتفسيرات والشائعات.

وفي الشارع الأردني، يمكن فهم إطلاق “فرح” أيضًا باعتباره اعترافًا بحاجة الاتصال الحكومي إلى مزيد من السرعة والحضور الرقمي، خصوصًا في الملفات التي تثير نقاشًا واسعًا، حيث يمكن لتأخر التوضيح الرسمي أن يترك مساحة كبيرة للاجتهاد والتأويل.

لكن الاعتراف بوجود هذه الحاجة يجب أن يقود إلى السؤال الأهم: هل ستكون “فرح” تطويرًا لمنظومة الاتصال الحكومي، أم مجرد أداة جديدة تضاف إلى قائمة الأدوات ثم يتراجع حضورها مع الوقت؟

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تواجه “فرح” قضية ساخنة، أو قرارًا حكوميًا مثيرًا للجدل، أو سؤالًا لا توجد له إجابة سهلة.

هناك، سيعرف المواطن إن كانت أمامه مجرد واجهة رقمية حديثة، أم أمامه فعلًا وسيلة جديدة للتواصل مع حكومته.

وبين “حقك تعرف” و”فرح”، لا ينبغي أن يكون السؤال: أيهما أفضل؟

السؤال الأهم هو: ماذا تعلمنا من التجربة الأولى قبل أن نبدأ الثانية؟

فالمواطن لا يريد كل مرة منصة جديدة، ولا شخصية جديدة، ولا اسمًا جديدًا.

هو يريد شيئًا أبسط من ذلك بكثير:

معلومة صحيحة، تصل في الوقت المناسب، من جهة رسمية واضحة، وإجابة لا تتأخر حتى تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة.

وإذا نجحت “فرح” في تحقيق ذلك، فإنها لن تكون مجرد تجربة جديدة في الاتصال الحكومي، بل خطوة نحو بناء نموذج أكثر استدامة.

أما إذا بقيت مرتبطة بزمن إطلاقها وبأسماء القائمين عليها، فقد يأتي يوم يسأل فيه الأردنيون السؤال نفسه الذي نطرحه اليوم عن “حقك تعرف”:

أين ذهبت؟ ولماذا بدأت الحكومة من جديد؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات