اختتمت «قمة بريكس» في نيودلهي، الأحد، دون أن تشهد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، اللذين تجمع بلادهما أزمة بشأن ملف نهر النيل و«سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا دون قبول مطالب القاهرة بعقد اتفاق ملزم لضمان عدم تأثر حصتها المائية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.
عدم عقد اللقاء يكشف بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك أزمة غياب ثقة من مصر تجاه إثيوبيا، وتعبيراً عن رفض مسار أديس أبابا في معالجتها»، وأشاروا إلى أن الحراك المصري في «بريكس» شهد طرح قضية المياه وأهمية احترام القانون الدولي، وهو ما يعكس استمرار الموقف المصري ورفض تحركات إثيوبيا الأحادية.
ومنذ 2011 توترت العلاقات بين مصر وإثيوبيا على خلفية بناء أديس أبابا سداً على نهر النيل دون تنسيق مع مصر دولة المصب، وبعد عقد من المفاوضات تم تجميدها عام 2024 بين البلدين، وعاد التوتر مع إعلان إثيوبيا نيّة بناء سدود جديدة على نهر النيل، مقابل إعلان مصر تكراراً استحالة قبولها ذلك، وحقها في الدفاع الشرعي عن حقوقها المائية.
وعقد كل من السيسي وآبي أحمد عدداً من اللقاءات الثنائية مع قادة مشاركين بـ«قمة بريكس»، وفق ما تظهر بيانات الرئاسة المصرية و«وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، دون أن يعقدا لقاء ثنائياً.
وحتى الصورة الختامية الرئيسية فرقت بين السيسي وآبي أحمد، وجاء رئيس الوزراء الإثيوبي في الصف الثاني والسيسي بالأول، دون أن تلتقط العدسات أي حوار عابر ثنائي لهما.
ونبه عضو «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس النواب المصري أحمد علاء فايد، إلى أن «اللقاءات بين القادة خلال القمة تكون بتنسيق مسبق»، ولم يعقد اجتماع مع رئيس وزراء إثيوبيا في «قمة بريكس»، خصوصاً أن العلاقات «ليست في أفضل حالاتها، وهناك فترات كانت أفضل».
الرئيس المصري خلال لقائه مع نظيره الجنوب أفريقي مساء السبت (الرئاسة المصرية)
فيما يرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن «عدم عقد لقاء بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي على هامش القمة، يعكس غياب الثقة من قبل مصر في الحكومة الإثيوبية الحالية التي لا تقدم أي مؤشر إيجابي على إمكانية تسوية ملف المياه مع مصر، وملف السد الإثيوبي سيظل العامل الأبرز والأهم في تحديد مستقبل العلاقات السياسية بين البلدين».
نوصي بقراءة: النائبة رهام فاروق: زيارة الرئيس الصيني للقاهرة نقلة نوعية في مسار الشراكة
وبحسب البحيري، يعكس عدم اللقاء «إيصال مصر رسالة مباشرة إلى إثيوبيا بأن استمرارها في تبني سياساتها ومواقفها المتعنتة والعدائية سوف يؤدي إلى استمرار الجمود في العلاقات السياسية معها».
كما يشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، إلى أن الجمود وعدم وجود أفق للتوافق على القضايا الخلافية بين البلدين «كانا سبب عدم عقد اللقاء»، وكذلك المخاوف من التناول الإعلامي «غير الإيجابي».
رئيس وزراء إثيوبيا خلال كلمته في «قمة بريكس» (وكالة الأنباء الإثيوبية)
ورغم غياب اللقاء الثنائي بين السيسي وآبي أحمد بسبب أزمة ملف المياه، فإن الملف كان ضمن حراك مصر في المحادثات الثنائية التي أجريت على هامش القمة.
والتقى السيسي مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وفق بيان للرئاسة المصرية مساء السبت. وأكدا أن مصر وجنوب أفريقيا تضطلعان بمسؤولية، خصوصاً في تعزيز العمل الأفريقي المشترك وتوحيد المواقف الأفريقية في المحافل الدولية.
وأضاف البيان المصري: «وفيما يتعلق بقضية المياه، شدد الجانبان على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والعمل على ضمان حقوق الدول بما يحافظ على الأمن والاستقرار الإقليميين».
تأكيد الرئيس المصري على ضرورة ضمان حقوق المياه في محادثات «بريكس»، يعكس وفق البحيري «الموقف المصري الرسمي في هذا الخصوص، وأن المياه هي مسألة حياة أو موت ومسألة وجودية للشعب المصري لا يمكن التنازل عنها، وأن مصر تتمسك بحقوقها كاملة في مياه نهر النيل، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تقديم تنازلات من شأنها الإضرار بالأمن القومي المصري، لا سيما ملف المياه».
ويرى أن «التحركات الدبلوماسية تحت مظلة (تجمع بريكس) تستهدف حشد وتعبئة مواقف الدول الأعضاء، خصوصاً جنوب أفريقيا والصين وروسيا للضغط على إثيوبيا من أجل الاستجابة للمطالب المصرية الخاصة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المصرية في مياه نهر النيل».
ورغم ذلك المشهد القاتم، لم يستبعد فايد أن «تعود العلاقات المصرية – الإثيوبية إلى سابق عهدها»، مؤكداً أن «ذلك يتطلب أن يكون التعاون على المستوى المطلوب من الرغبة في التنمية وعدم إلحاق الضرر بالحقوق المصرية المائية».




