هل سبق أن تحدثت مع شخص وجهًا لوجه عن منتج أو طعام أو مكان، ثم فتحت هاتفك بعد دقائق لتجد إعلانًا متعلقًا بالشيء نفسه؟ هذا النوع من المواقف يجعل كثيرين يشعرون بأن الهاتف أو التطبيقات تستمع إلى محادثاتهم الخاصة، لكن ظهور الإعلان بعد الحديث لا يعني بالضرورة أن الهاتف كان يتنصت عليك، وفي كثير من الحالات، يكون السبب الحقيقي هو كمية البيانات التي تجمعها الخدمات الرقمية عن اهتماماتك وسلوكك على الإنترنت، والتي قد تكون أكبر بكثير مما تتوقع.
يمكن أن يحدث هذا بسبب مجموعة من الإشارات الرقمية التي تتقاطع مع ما تحدثت عنه في حياتك اليومية، فقد تتحدث مثلًا مع عائلتك عن منتج معين، بينما يبحث شخص آخر في المنزل عن هذا المنتج عبر الإنترنت لمعرفة سعره أو أماكن توفره. وفي هذه الحالة، قد تبدأ أنت أيضًا في رؤية إعلانات مرتبطة به، خصوصًا إذا كانت هناك بيانات أو حسابات أو أجهزة مرتبطة ببعضها، وقد تكون أنت نفسك قد تفاعلت مع الموضوع دون أن تتذكر؛ ربما بحثت عنه سابقًا، أو فتحت رابطًا متعلقًا به، أو شاهدت محتوى مشابهًا على إحدى المنصات، كما يمكن أن تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في ذلك، إذ قد يتفاعل أصدقاؤك أو الأشخاص الموجودون في دائرتك الاجتماعية مع موضوع معين، ثم تبدأ الإعلانات المرتبطة به في الظهور لك.
لا تستند أنظمة الإعلانات دائمًا إلى سلوكك وحده، إذ يمكن أن تعتمد أيضًا على الاتصالات والعلاقات الرقمية، فعندما يتفاعل أحد الأشخاص الموجودين في دائرتك مع منتج أو موضوع معين، قد تصبح هناك إشارات مشتركة تربطك بهذا الاهتمام، خصوصًا عندما تكون الحسابات أو الأجهزة أو أنماط السلوك مترابطة، ولهذا، قد تحصل على إعلان لمنتج لم تبحث عنه بنفسك، رغم وجود تفاعل سابق مع هذا المنتج من شخص قريب منك أو من شبكة المستخدمين المرتبطين بك.
قد لا تدرك حجم المعلومات التي تتركها وراءك أثناء استخدام الإنترنت، فإذا كنت تستخدم حساب Google على هاتف Android، ثم تعتمد على خدمات مثل Chrome وYouTube وGoogle Sheets وغيرها، فإن هذه الخدمات قد تستخدم نشاطك واهتماماتك في بناء ملف يساعد على تخصيص الإعلانات، كما أن ميزة Sign in with Google التي تتيح تسجيل الدخول إلى مواقع وتطبيقات مختلفة باستخدام حساب Google نفسه، يمكن أن تربط مزيدًا من أنشطتك الرقمية بحساب واحد، وهذا كله يساهم في بناء ما يعرف باسم البصمة الرقمية Digital Footprint، وهي مجموعة المعلومات التي يمكن استخدامها لتكوين صورة عن اهتماماتك وسلوكك عبر الإنترنت.
ماذا يعرف المعلنون عنك؟
يمكن لشركات الإعلانات استخدام البيانات المتاحة لبناء ملف عن المستخدم يتضمن معلومات واهتمامات مختلفة، مثل العمر والجنس والمهنة والاهتمامات وسجل شراء المنتجات، إضافة إلى بعض العلاقات والتفاعلات مع مستخدمين آخرين، ولا يقتصر هذا النوع من التتبع على Google وحدها، إذ تعد Apple وMeta وAmazon أيضًا من اللاعبين الكبار في سوق الإعلانات الرقمية.
وتزداد أهمية هذه القضية مع ضخامة سوق الإعلانات الرقمية، حتى إن وزارة العدل الأمريكية دخلت في نزاع قانوني مع Google بشأن هيمنتها على تقنيات الإعلانات الرقمية.
نوصي بقراءة: مهمة إنقاذ تتحول إلى أزمة.. مركبة ناسا تواجه خللا يهدد مرصد «سويفت» الفضائى
لا يقتصر جمع البيانات على الإعلانات فقط، فالعديد من التطبيقات تستخدم معلومات عن سلوك المستخدم لمساعدتها في تحديد المحتوى الذي يظهر له، خاصة منصات التواصل الاجتماعي التي تعتمد على أنظمة توصية مثل قسم For You، فعندما تتفاعل مع حسابات أو فنانين أو منشئي محتوى أو مجموعات معينة، تستخدم الخوارزميات هذه الإشارات لتقديم مقترحات مشابهة لك، لكن المشكلة أن بعض التطبيقات قد تطلب أو تجمع بيانات تتجاوز ما تحتاجه فعليًا لأداء وظائفها.
تعد أذونات التطبيقات من النقاط التي تثير القلق لدى بعض المستخدمين، فليس من الطبيعي مثلًا أن يحتاج تطبيق آلة حاسبة أو مصباح يدوي إلى الوصول إلى الميكروفون لكي يؤدي وظيفته الأساسية، وفي المقابل، قد يكون الوصول إلى الميكروفون منطقيًا في تطبيقات تعتمد على اكتشاف الأصوات، مثل بعض تطبيقات متابعة النوم، لذلك، عندما يطلب تطبيق صلاحيات لا تبدو مرتبطة بوظيفته الأساسية، فمن الطبيعي التساؤل عن سبب طلبها، وما إذا كانت هناك حاجة فعلية إليها.
ظهور إعلان بعد حديثك عن موضوع معين لا يمثل دليلًا بحد ذاته على أن الهاتف كان يستمع إلى المحادثة، فهناك عدد كبير من الإشارات الرقمية التي يمكن أن تؤدي إلى وصول الإعلان نفسه إليك دون الحاجة إلى تسجيل محادثتك الخاصة، بدءًا من عمليات البحث والنقرات والتصفح، مرورًا بنشاط التطبيقات ووسائل التواصل، ووصولًا إلى اهتمامات الأشخاص الموجودين حولك، لكن هذا لا يعني أن جميع التطبيقات تتعامل بالطريقة نفسها مع بيانات المستخدم؛ فهناك اختلاف كبير بين التطبيقات في نوع البيانات التي تجمعها، والأذونات التي تطلبها، والطريقة التي تستخدم بها هذه المعلومات.
يمكن للمستخدم تقليل حجم البيانات المستخدمة في تخصيص الإعلانات من خلال مراجعة إعدادات الخصوصية والأذونات على الهاتف والتطبيقات، وإيقاف تخصيص الإعلانات عندما يكون هذا الخيار متاحًا، ومن المهم أيضًا مراجعة التطبيقات التي تمتلك صلاحيات مثل الميكروفون والموقع والكاميرا، وإلغاء أي إذن لا تحتاجه التطبيقات فعليًا، كما يجب الانتباه عند استخدام خدمات تسجيل الدخول الموحد مثل Sign in with Google، لأن ربط عدد كبير من الخدمات بحساب واحد قد يوسع نطاق البصمة الرقمية المرتبطة بهذا الحساب.
قد يبدو وصول إعلان مرتبط مباشرة بحديث دار بينك وبين شخص آخر أمرًا مخيفًا، لكن التفسير الأكثر تعقيدًا غالبًا هو أن المنظومة الإعلانية تعرف الكثير عن سلوكك الرقمي بالفعل، فقد لا تحتاج الشركات إلى تسجيل ما تقوله بصوتك حتى تتوقع ما قد تهتم به؛ يكفي أحيانًا جمع وتحليل عدد كبير من الإشارات الصغيرة التي تتركها أثناء استخدام التطبيقات والمواقع والأجهزة، ولهذا، فإن أفضل طريقة لتقليل هذا الشعور بالتتبع ليست افتراض أن الهاتف يتنصت عليك دائمًا، وإنما فهم البيانات التي تجمعها التطبيقات، ومراجعة الأذونات وإعدادات الخصوصية، وتقليل المعلومات التي تسمح للخدمات باستخدامها في تخصيص الإعلانات.




