يتنقل الأفرقاء الليبيون بين صيغ ومسارات تفاوضية عبر لجان ترعاها البعثة الأممية لدى البلاد، تحمل أرقاماً تبدأ من «5 + 5» إلى «6 + 6»، و«3 + 3»، و«2 + 2»، وصولاً إلى «4 + 4»، وذلك في محاولات لكسر جمود سياسي، وتعثُّر انتخابي، وانقسام عسكري وأمني طال أمده.
ومع توصُّل لجنة «4 + 4» إلى تفاهمات بين «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» المؤقتة في غربها بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية»، الأسبوع الماضي، وما أثارته من جدل، يعود التساؤل حول جدوى هذه المسارات، وما إذا كانت ستُنهي المرحلة الانتقالية، أم قد تمهِّد لصيغة جديدة؟
وتشترك هذه اللجان، رغم اختلاف مهامها، في محاولة تقريب وجهات النظر بين مؤسسات وأطراف شرق ليبيا وغربها، ومعالجة ملفات عالقة، من وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى القوانين الانتخابية أو توحيد الميزانية.
اجتماع لجنة «6 + 6» لإعداد القوانين الانتخابية بطرابلس في 7 مايو 2023 (مجلس النواب)
ومن منظور الدكتور عارف أحمد التير، الأكاديمي الليبي، فإن توالي هذه المسارات يعكس جانباً من تعقيدات الأزمة، في ظلِّ الانقسام السياسي والعسكري، وانتشار السلاح والميليشيات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية.
ويعتقد التير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الصيغ «باتت تمثل إطاراً لإيجاد حلول للأزمة من خلال إشراك ممثلين عن شرق البلاد وغربها»، عادّاً أن طبيعة الصراع دفعت إلى البحث عن ترتيبات تستوعب توازنات القوى، لكنها بقيت تحمل في طياتها سؤالاً لدى الليبيين عن «رقم الحظ» الذي يحمل حلاً لليبيين.
البداية مع تلك المسارات كانت عسكرية، حين شُكِّلت لجنة «5 + 5» في يناير (كانون الثاني) 2020 بموجب مخرجات «مؤتمر برلين»، واضطلعت بمهمة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب العاصمة طرابلس عام 2019، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وتمكنت من تثبيت الهدنة، لكنها لم تحقق نتائج حاسمة لتوحيد الجيش.
ومع تعثر انتخابات 2021 الرئاسية والبرلمانية، تشكلت لجنة «6 + 6» في مارس (آذار) 2023، بواقع 6 أعضاء من مجلس النواب، ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، وأقرَّت في يونيو (حزيران) من العام نفسه تعديلات للقوانين الانتخابية، لكنها لم تُفضِ إلى إجراء الانتخابات بسبب استمرار الخلافات السياسية.
توقيع ممثلي مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» للاتفاق الموحد في أبريل الماضي (المصرف المركزي)
ولم تتوقف هذه المسارات، إذ ارتبط إقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، في أبريل (نيسان) الماضي، بتفاهمات عُرفت بصيغة «2 + 2»، جمعت ممثلين عن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» في مسار مرتبط بمصرف ليبيا المركزي. لكن تنفيذه لم يكتمل بالشكل المأمول، وفق تصريحات لمسؤولين حكوميين.
اقرأ ايضا: العبدلي يجدّد شراكته مع مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم ويستضيف فعالياتٍ من دورته السابعة
راهناً، تحيط السرية بأعمال لجنة «3 + 3»، التي تشكلت بين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، عقب مناورات مشتركة في سرت خلال أبريل الماضي برعاية أميركية. ويتركز هدفها المعلن على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما فيها الاتجار بالبشر والتهريب.
ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام خطوات لتقريب المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وإن لم تظهر حتى الآن نتائج معلنة بشأن توحيد الجيش، لكنها تبقى رهينة سؤال مؤجل عن مصير الميليشيات والوجود الأجنبي.
ورغم ما حققته لجنة «4 + 4»، الأسبوع الماضي، من توافق بشأن الانتخابات وقوانينها و«مجلس المفوضية»، بوصفه «خطوة مهمة» على مسار إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن التير يشدِّد على أن «الاختبار الحقيقي في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية»، عادّاً أن نجاح الصيغة في ذلك «سيكون إنجازاً مهماً»، ويمهد لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتنظيم الانتخابات.
سياسيون آخرون ينظرون إلى ظاهرة اللجان ذات الصيغ الرقمية بقدر أكبر من التشكيك، عادّين أن سوابقها لا تحمل أي حظوظ لإنهاء المرحلة الانتقالية، بعدما عالجت ملفات جزئية من دون إنتاج حل شامل.
ويقول أبو بكر مصباح، عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف»، إن الصيغ التي طُرحت، ومنها «6 + 6» و«4 + 4» و«3 + 3»، أثبتت أنها أقرب إلى «حلول وقتية لإدارة الأزمة» منها إلى مسارات تستهدف إنهاءها والتوصل إلى تسوية دائمة.
ويربط مصباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استمرار هذه الدائرة بتغير المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، موضحاً أن تغيير القائمة بأعمال المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز أسهم، في رأيه، في «تعطيل المسار السياسي»، إذ يأتي كل مبعوث جديد برؤى وترتيبات مختلفة قبل اكتمال المسارات السابقة.
ويضع مصباح ملاحظة على تركيبة اللجان، إذ يرى أن معظم الصيغ ركزت على الشرق والغرب، بينما تجاهلت معادلاتها الجنوب، رغم موقعه المؤثر، عادّاً أن الجنوب «يمثل رمانة الميزان في هذه المعادلة السياسية المعقدة»، ومؤكداً أن الوصول إلى تسوية مستقرة «لا يمكن أن يتم من دون إشراك الجنوب بصورة حقيقية»، محذراً من أن استمرار إنتاج اللجان وفق صيغ مختلفة لا يعني بالضرورة أن الحل أصبح أقرب، ما لم تتوافر إرادة سياسية لتنفيذ التفاهمات.
ولا يحمّل فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة «6 + 6»، اللجان نفسها مسؤولية التعثر، إذ يرى لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة ليست في اللجان، وإنما في توجهات البعثة لإطالة المرحلة الانتقالية لتحقيق أغراض بعض المتدخلين في الشأن الليبي إقليمياً ودولياً».
اجتماع سابق للجنة «5 + 5» العسكرية الليبية أبريل 2023 (البعثة الأممية)
وبينما تختلف التقييمات، تكشف حصيلة هذه المسارات عن أن كل لجنة جاءت لمعالجة عقدة محددة، لكنها لم تتمكَّن حتى الآن من تقديم حلول حاسمة وقابلة للاستدامة. ويبقى السؤال: إذا لم تكن «4 + 4» هي المسار الذي يخرج ليبيا من أزمتها، فكم ستحتاج البلاد من الصيغ واللجان كي تنتهي المرحلة الانتقالية؟




