على أغلفة مجموعة من الإصدارات السعودية المتخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي، تتابع السنوات حتى تصل إلى «2026»؛ العام الذي اختارت المملكة أن تجعله «عام الذكاء الاصطناعي». لكن اللافت ليس تراكم الإصدارات وحده، بل تطور الأسئلة التي تطرحها: كيف ندير أخطار الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نكتشف تحيزه؟ وكيف نحول الابتكار إلى تقنية يمكن استخدامها بثقة؟
في القطاع الصحي بدأت الإجابة تنتقل من الورق إلى العيادة؛ فقبل أيام من اليوم الوطني السعودي، منحت الهيئة العامة للغذاء والدواء إذن التسويق لبرنامجين طبيين مطورين محلياً ومدعومين بالذكاء الاصطناعي؛ أحدهما لتحليل الأشعة السنية، والآخر للمساعدة في الكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري.
ومن الإصدارات والأطر إلى الاختبار والترخيص، ثم إلى المستشفى والمريض، تتشكل قصة مختلفة للذكاء الاصطناعي في المملكة: لم يعد السؤال فقط ماذا تستطيع التقنية أن تفعل، بل: كيف تنتقل من المعرفة إلى ممارسة صحية حقيقية؟
من الخوارزمية إلى العيادة… برنامجان طبيان سعوديان مدعومان بالذكاء الاصطناعي يحصلان على إذن التسويق (الهيئة العامة للغذاء والدواء)
في «عام الذكاء الاصطناعي 2026»، لا تقتصر القصة على تطبيقات جديدة؛ فهناك أيضاً محاولة لبناء المعرفة التي تسبق استخدامها. وقد أضافت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) إلى مكتبتها مجموعة من الإصدارات التي تنقل النقاش من سؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نستخدمه ونضبط مخاطره؟
في أبريل (نيسان) الماضي، صدر «الإطار الوطني لإدارة أخطار الذكاء الاصطناعي»، مقدماً منهجية لتحديد المخاطر، وتقييمها ومعالجتها ومراقبتها. وتبعه في مايو (أيار) «الدليل المرجعي لتحيز الذكاء الاصطناعي»، الذي يرصد أكثر من مائة نوع من التحيز المحتمل وسبل الحد منه. كما تناولت إصدارات أخرى تبني الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وهندسة الأوامر واستخدام التقنية في الإعلام.
وتأتي هذه الحركة ضمن نمو بحثي أوسع؛ إذ تشير بيانات «سدايا» إلى متوسط نمو سنوي بلغ 38.52 في المائة في المنشورات العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين عامي 2020 و2025. لكن الاختبار الحقيقي للمعرفة يبدأ عندما تغادر صفحات الأدلة وتدخل بيئة الاستخدام الفعلي من الخوارزمية إلى العيادة.
في 10 سبتمبر (أيلول)، أعلنت «الغذاء والدواء» منح الإذن التسويقي لبرنامجَي «Dental IQ» و«SAARIA»، وهما برنامجان طبيان مدعومان بالذكاء الاصطناعي ومطوران محلياً.
يستخدم الأول التعلم العميق لتحليل الأشعة السنية والمساعدة في رصد مؤشرات تشمل تسوس الأسنان وأمراض اللثة والتغيرات في الأنسجة الداعمة. أما الثاني فيحلل صور قاع العين لدعم فحص مرضى السكري والكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري.
لكن الأكثر أهمية علمياً هو الطريق الذي سبق وصولهما إلى السوق؛ فالهيئة تشير إلى مراجعة الملفات الفنية والأدلة السريرية للتحقق من السلامة والأداء والفاعلية للاستخدام المقصود. وهنا يتغير السؤال من: هل تستطيع الخوارزمية التشخيص؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: هل أثبتنا أنها تستطيع أداء المهمة المطلوبة بأمان عندما تقترب من المريض؟
من الجراحة الروبوتية إلى التدخل عن بُعد… التقنية تعيد رسم حدود المكان في الرعاية الصحية (وكالة الأنباء السعودية «واس»)
نوصي بقراءة: «الحفر العربية» تستأنف عمل 3 منصات بحرية… والأسطول بكامل طاقته نهاية العام
تشجيع الابتكار لا يعني أن كل فكرة ينبغي أن تنتقل مباشرة إلى المريض. ولهذا توفر البيئة التجريبية التنظيمية «Sandbox» التابعة لوزارة الصحة مساحة لاختبار حلول تشمل الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتقنيات الحيوية والطباعة ثلاثية الأبعاد، مع إرشاد فني وتنظيمي قبل التوسع في استخدامها.
وفي يوليو (تموز) 2026، أعلنت الوزارة أن المبادرة دعمت 342 حلاً ابتكارياً، فيما «تخرج» 25 حلاً بعد استكمال مراحل الاختبار والتحقق في البيئة التجريبية. والرقمان يكشفان جانباً مهماً من رحلة الابتكار الطبي: بين الفكرة ووصول التقنية إلى الاستخدام الفعلي، توجد مرحلة لا تقل أهمية عن الابتكار نفسه؛ مرحلة الاختبار والتحقق ومعرفة حدود ما تستطيع التقنية أن تفعله.
في نهاية رحلة التقنية هناك المريض؛ فقد أصبح مستشفى صحة الافتراضي مرتبطاً بأكثر من 242 مستشفى، ويقدم خدمات في 48 تخصصاً رئيسياً و68 تخصصاً فرعياً، بطاقة تشغيلية سنوية تتجاوز 597 ألف مستفيد.
لكن تجاوز المسافة لم يعد مقتصراً على الاستشارة؛ ففي أغسطس (آب) 2026، أعلن المستشفى إجراء 11 عملية جراحية روبوتية متتالية عن بُعد، شملت تخصصات عدة؛ بينها استئصال فص رئوي وصفته وزارة الصحة بأنه الثاني عالمياً من نوعه.
وسبقت العمليات اختبارات ومحاكاة سريرية وتقنية وتدريبية، ضمن «البروتوكول السعودي للعمليات الجراحية عن بُعد». وهنا يتغير معنى المسافة في الطب: فلا تنتقل البيانات والصور عبر الشبكة فحسب، بل يمكن أن تنتقل الخبرة الجراحية نفسها إلى حيث يوجد المريض.
ومع ذلك، يبقى هناك فارق بين امتلاك التكنولوجيا وتحسين صحة الإنسان؛ فتقرير تحول القطاع الصحي لعام 2025 يشير إلى وصول تغطية خدمات الرعاية الصحية الأساسية إلى 97.5 في المائة من التجمعات السكانية، فيما تجاوز مستخدمو تطبيق «صحتي» 31 مليوناً. ولا يمكن نسب هذه النتائج إلى الذكاء الاصطناعي وحده؛ فهي حصيلة تحول صحي أوسع، لكنها تضع التقنية في موقعها الصحيح: وسيلة وليست غاية.
فالاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي الصحي ليس عدد الخوارزميات والروبوتات، بل أثرها: هل تساعد في اكتشاف المرض أبكر؟ وهل توصل الخبرة إلى مكان أبعد؟ وهل تحسن جودة الرعاية وسلامة المريض؟
في اليوم الوطني السعودي، ربما تكمن القصة الأهم في اتصال هذه الحلقات: إصدارات تضع منهجيات لإدارة المخاطر والتحيز، وبيئات تجريبية تختبر الحلول، وهيئة تنظيمية تراجع الأدلة قبل التسويق، ثم مستشفى افتراضي ينقل الخبرة الطبية والجراحية عبر المسافات.
ولا يعني ذلك أن تحديات الذكاء الاصطناعي الصحي قد حُلّت؛ فكلما اقتربت الخوارزمية من المريض، ازدادت الحاجة إلى اختبار أدائها في العالم الحقيقي، ومراقبته بمرور الوقت، والإبقاء على قدرة الطبيب على التدخل عندما تستدعي الحالة ذلك.
لكن السؤال يتغير؛ فبعد سنوات سألنا فيها: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ يبرز اليوم سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما نضع هذه القدرة داخل نظام صحي حقيقي، ونطلب منها أن تُحدث فرقاً في حياة مريض حقيقي؟
بين المعرفة والاختبار والتنظيم والعيادة، ربما هنا تبدأ المرحلة التالية من قصة الذكاء الاصطناعي الصحي في المملكة.




