في كل منطقة سعودية حكاية تُروى عبر الطعام؛ من التمور التي ازدهرت في الواحات، إلى الحبوب التي قاومت قسوة الجبال، ومن منتجات البحر على السواحل، إلى الأعشاب، والنباتات البرية في المرتفعات. هذا الإرث الغذائي، الذي ظل لعقود حاضراً في ذاكرة المجتمعات المحلية، بدأ اليوم يحجز مكانه في السجل العالمي، مع توثيق 180 منتجاً سعودياً ضمن مبادرة «سفينة التذوق»، ليؤكد أن المطبخ السعودي ليس مجرد وصفات تقليدية، بل هو سجل حي للتاريخ، والثقافة، والتنوع البيئي.
وخلال الفترة من 2022 إلى 2024، ارتفع عدد المنتجات السعودية المدرجة في مبادرة «سفينة التذوق» إلى 180 منتجاً تمثل المناطق الإدارية الثلاث عشرة، بعد إضافة 60 منتجاً جديداً هذا العام، لتصبح المملكة من الدول ذات الحضور البارز في السجل الدولي الذي يضم أكثر من سبعة آلاف منتج من أكثر من 150 دولة.
ولا تمثل «سفينة التذوق» منصة لعرض المنتجات، أو مشروعاً مادياً، وإنما هي سجل عالمي أُطلق عام 1996 لتوثيق الأغذية المهددة بالاندثار، والحفاظ عليها عبر استمرار زراعتها، وإنتاجها، واستهلاكها، انطلاقاً من قناعة بأن حماية التراث الغذائي لا تتحقق بعزله، وإنما بإبقائه حياً في حياة الناس، وأسواقهم، وموائدهم.
التمور السعودية أحد أبرز الكنوز الغذائية التي تعمل المملكة على توثيقها (هيئة فنون الطهي)
وترى هيئة فنون الطهي أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في عدد المنتجات المسجلة فحسب، بل في الرسالة التي يحملها كل منتج منها. فكل منتج يوثق في هذا السجل يعكس هوية منطقة، ويختزن معارف تقليدية، ويجسد علاقة الإنسان ببيئته، بما يحمله من أساليب زراعة، وإنتاج، وتكيف مع الظروف الطبيعية عبر قرون.
وتؤكد هيئة فنون الطهي عبر اتصالها المؤسسي لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التنوع يعكس تاريخاً طويلاً من التكيف مع البيئات الجافة، وشبه الجافة، حيث طورت المجتمعات المحلية أنظمة غذائية متكاملة تعتمد على الإدارة الرشيدة للموارد، وأسهمت طرق التجارة القديمة في انتقال المحاصيل والمعارف الغذائية بين مناطق المملكة، لتتشكل هوية غذائية ثرية تستحق الحماية، والتوثيق.
ومن بين أبرز المنتجات التي تحمل قيمة ثقافية استثنائية، تبرز أصناف التمور المحلية التي توارثتها الأجيال في مختلف مناطق المملكة. فهذه الأصناف لا تمثل مجرد محاصيل زراعية، بل ترتبط بتاريخ الواحات، وأنظمة الري التقليدية، والعادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة، والمناسبات، إضافة إلى المعارف الزراعية التي حافظت عليها المجتمعات المحلية عبر مئات السنين.
نوصي بقراءة: غوميز: دونيس اصطدم بواقع صعب في المنتخب السعودي
وتشير الهيئة إلى أن أصنافاً مثل الحليّة، والمغمي، والبياض النجراني، والبكاية تجسد هذا الارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض، إذ يحمل كل صنف قصة منطقة بعينها، ويعكس طبيعتها، وذاكرتها، وثقافتها، وهو ما يجعل الحفاظ عليها حفاظاً على جزء من الهوية الوطنية.
ولا يتم إدراج أي منتج في «سفينة التذوق» إلا بعد استيفاء مجموعة من المعايير، من بينها أن يكون منتجاً غذائياً ذا جودة مميزة من حيث المذاق وفق تقاليد المجتمع المحلي، وأن يرتبط بمنطقة جغرافية محددة، ومعارف تقليدية متوارثة، وأن ينتج بكميات محدودة، وأن يكون معرضاً لخطر الاندثار نتيجة تغيرات بيئية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، بما يجعل توثيقه خطوة لحماية إرث مهدد بالاختفاء.
ورغم أن التسجيل لا يغير واقع المنتجين مباشرة، فإن الهيئة تصفه بأنه بداية لمسار جديد. فبمجرد إدراج المنتج يصبح جزءاً من دليل عالمي يتيح للطهاة والباحثين والمهتمين بالتراث الغذائي التعرف عليه، بما يوسع فرص ظهوره خارج نطاقه المحلي، ويمنح المنتجين نافذة للوصول إلى أسواق جديدة.
وتستند الهيئة في ذلك إلى تجارب دولية أظهرت أن المنتجات المدرجة في هذا السجل استطاعت، مع مرور الوقت، تعزيز حضورها التجاري عندما ارتبطت بقصصها التراثية، وأصبحت جزءاً من تجارب الطهي المحلية، وأسهمت في تحسين الجدوى الاقتصادية للمنتجين الصغار عبر التسويق المباشر، والتعاون مع المطاعم، والمتاجر المتخصصة.
كما ترى أن هذا التوثيق يفتح المجال أمام نوع جديد من السياحة يعتمد على التجارب الغذائية الأصيلة، حيث يمكن للمنتجات التراثية أن تصبح محوراً لبرامج سياحية تربط الزائر بالمزارع، والواحات، والقرى التقليدية، وهو توجه ينسجم مع تنامي الاهتمام العالمي بسياحة الطهي، ومع مستهدفات المملكة في تنويع منتجاتها السياحية.
لكن الهيئة تؤكد أن التسجيل وحده لا يكفي لتحقيق هذا التحول، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تطوير معايير الجودة، وتنظيم المنتجين، وبناء الهوية التسويقية لكل منتج، وتعزيز حضوره في المطاعم، والأسواق، وهو ما تعمل عليه المرحلة المقبلة عبر برنامج «بريسيديا» الذي يهدف إلى تحويل المنتجات التراثية من عناصر موثقة إلى موارد اقتصادية مستدامة.
وفي الوقت نفسه، تواصل الهيئة أعمالها لحصر وتوثيق مزيد من المنتجات المهددة بالاندثار في جميع مناطق المملكة، مؤكدة أن كل منطقة تمتلك كنوزاً غذائية لم تُكتشف بعد، وأن عملية التوثيق لا تزال مستمرة. وتربط الهيئة هذه الجهود مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى الثقافة والتراث بوصفهما رافدين للتنمية الاقتصادية، وترى في التراث الغذائي مورداً يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل، وتنشيط السياحة، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وتقديم صورة أكثر ثراءً للمملكة على الساحة الدولية.




