أثار إعلان سياسيين وناشطين ليبيين خلال اجتماع عُقد في جنيف، الجمعة، اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة ليبية موحدة»، موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في الأوساط السياسية الليبية، في حين أوضح القائمون على المبادرة أنها «مسعى ليبي خالص لإنهاء الانقسام السياسي».
وجاء الإعلان عبر ما سُمي بـ«ملتقى الحوار السياسي» بعيداً عن المسارات الأممية، قبل أن تنتشر صور الاجتماع ومقاطع مصورة منه داخل ليبيا، لتتحول المبادرة سريعاً إلى محور للنقاش وحتى السخرية، وسط تساؤلات عن شرعيتها، وإمكانية تحولها إلى واقع سياسي.
المجدوب خلال «ملتقى جنيف» الجمعة (صفحة آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
غير أن المجدوب، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من جنيف، السبت، قال إنه يتقبل الانتقادات، بما فيها تلك التي وصفها بـ«اللاذعة»، معتبراً أنها «تأتي في إطار الممارسة الديمقراطية وروح التفاهم، ولا تمثل سبباً للتراجع عن المبادرة، أو وقف التحركات الرامية إلى تسويقها سياسياً داخل ليبيا».
وشدد المجدوب على تمسكه بالمضي في تنفيذ المبادرة، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع أعضاء في مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة»، إلى جانب شيوخ قبائل وممثلين عن مكونات اجتماعية، بهدف بناء توافق أوسع حولها، وقال إن الساعات المقبلة «ستشهد مفاجآت» تتعلق بمسار المبادرة، وما ستسفر عنه من اتصالات وتحركات جديدة.
بحسب مطلقي المبادرة، فإن الملتقى يمثل «مبادرة ليبية خالصة» شارك في إطلاقها نحو 60 شخصية من الأقاليم التاريخية الثلاثة، وتضم ممثلين عن أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقيادات اجتماعية وقبلية، وتهدف إلى التوصل إلى «حل ليبي – ليبي» للأزمة السياسية، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، وهو ما كرره المجدوب في حديثه.
وأوضح المجدوب أن اختياره رئيساً للمجلس الرئاسي المقترح جاء في إطار تصور يستلهم تجربة المجلس الرئاسي السابق، برئاسة فائز السراج، الذي جمع بين رئاسة المجلس والحكومة، معتبراً أن هذه الخطوة تستهدف «إعلاء الحل الليبي»، بوصفها امتداداً لمبادرات عدة طُرحت خلال السنوات الماضية لإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات.
في المقابل، قوبلت هذه المبادرة واختيار المجدوب رئيساً بانتقادات واسعة من شخصيات سياسية وبرلمانية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رأت أنها تفتقر إلى أي سند سياسي أو قانوني أو دستوري.
وشكك عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي في آلية الاختيار عبر دعوة ساخرة إلى اجتماع «سري»، في حين اعتبر عضو «النواب» سعيد مغيب أن سهولة إعلان الحكومات قد تدفع أي مدينة ليبية إلى عقد حوار مماثل لتشكيل حكومة جديدة.
أما رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس انتصار القليب، فقد تساءلت عن الجهة التي منحت المجدوب هذا التفويض، في حين رأى رئيس حزب «صوت الشعب» فتحي الشبلي أن «الشرعية لا تُكتسب بالإعلانات أو شركات العلاقات العامة، بل عبر الإرادة الشعبية والمسارات الدستورية المعترف بها».
ومن زاوية قانونية، حذر أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني من أن تشكيل حكومة من دون سند قانوني قد يعرّض القائمين عليها للمساءلة، إذا اعتُبر إنشاءً لسلطة موازية، أو مساساً بنظام الحكم.
من جهته، اكتفى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بالتعليق قائلاً: «من ليبيا يأتي الجديد».
قد يهمك أيضًا: مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»
في خضم هذا الجدل، سارعت بعثة الأمم المتحدة إلى النأي بنفسها عن المبادرة، وقال المتحدث باسمها محمد الأسعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ليست لنا أي صلة بهذا الحديث». لكن المجدوب رد بالقول إن مهمة البعثة الأممية تتمثل في دعم الحل السياسي، وليس فرض حلول على الليبيين، معرباً عن استغرابه مما وصفه بـ«ازدواجية المعايير»، وتساءل عن سبب التحفظ على مبادرة ليبية، وهو ما لا ينطبق على المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.
مسعد بولس (أ.ف.ب)
وتقوم مبادرة بولس، بحسب ما هو متداول، على تصور لتقاسم السلطة بين الأطراف الرئيسية الليبية، وفق تسريبات بهذا الشأن.
ووفق السيرة الذاتية المنشورة للمجدوب، فإنه يبلغ من العمر 46 عاماً، ويحمل درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة شريف هداية الله الإندونيسية، إضافة إلى درجتَي ماجستير في القانون والاقتصاد، كما شارك في برامج تدريبية متخصصة في القضاء وحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة.
غير أن الجدل حول المبادرة تزامن مع إعادة تداول مقاطع مصورة للمجدوب خلال قيادته إحدى المجموعات المسلحة أثناء حرب طرابلس بين عامَي 2019 و2020، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول خلفيته، ودوره خلال تلك المرحلة، ومدى انعكاس ذلك على صورته السياسية الحالية.
ورد المجدوب على ذلك بالقول إنه أدى «دوراً في مرحلة كانت فيها العاصمة، مسقط رأسه، تتعرض لهجوم»، مضيفاً أن البلاد انتقلت (اليوم) إلى مرحلة المصالحة، وأن «صفحة الماضي طُويت»، ومبرزاً أن الأولوية باتت لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، بدلاً من استدعاء أحداث الماضي.
وكشف المجدوب أيضاً أنه عقد لقاءً مع رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق أول خالد حفتر في يونيو (حزيران) الماضي «تناول أهمية تجاوز خلافات الماضي، والانخراط في جهود تستهدف توحيد البلاد ودفعها نحو الاستقرار».
وفي معسكر المجدوب كان السياسي الليبي عبد الحكيم بعيو، الذي قال إنه حضر إلى جنيف للتأكيد على أن ليبيا ليست ملفاً تتقاسمه الدول، وإنما دولة ذات سيادة، يجب أن يكون قرارها نابعاً من إرادة أبنائها، مؤكداً أن المبادرة «وطنية خالصة»، ولا تقف وراءها أي دولة أو جهة خارجية.
أعلن تحالف حزبي يسمي نفسه «الحراك الوطني للأحزاب الليبية» تأييده لهذه الخطوة، ودعا جميع القوى السياسية والوطنية ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني إلى دعمها، والتعاون من أجل إنجاحها، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة.
رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» الليبية السابقة فائز السراج (أرشيفية – رويترز)
ورغم محاولات منظمي المبادرة تقديمها بوصفها مساراً وطنياً بديلاً، فإن دبلوماسيين ومحللين ليبيين رأوا أنها تفتقر إلى مقومات التحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.
وقال الدبلوماسي الليبي محمد المرداس لـ«الشرق الأوسط» إن ما جرى يمثل «قفزة في الهواء»؛ لأنه يفتقد الحاضنة الشعبية الحقيقية، وديناميات القوة على الأرض، فضلاً عن الغطاء الدولي الذي ارتبط بالحكومات الليبية المتعاقبة منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015.
من جهته، قال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ إن أي مجموعة يمكنها إعلان نفسها حكومة أو سلطة، لكن السؤال الحقيقي يبقى حول قدرتها على اكتساب الشرعية، والتأثير في الواقع السياسي.




