بعدما حمل رجال العقيلات تجارتهم من وسط نجد إلى العراق والشام ومصر، تستعد حكايتهم اليوم لرحلة جديدة، من صفحات رواية «التغريبة النجدية» إلى الشاشة الصغيرة، في مشروع درامي ضخم تعمل عليه «إم بي سي».
ويترقب الروائي السعودي محمد المزيني هذا الانتقال بمزيج من الحماسة والحذر؛ فروايته، التي استغرق بناؤها سنوات، وتقاطعت فيها ذاكرة الصحراء مع التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، تواجه الآن اختباراً آخر: كيف يمكن لمسلسل أن يحتوي هذا العالم المترامي ويحفظ روحه؟
و«العقيلات» تسمية عُرف بها تجار قُدامى من نجد، غالبيتهم من القصيم (وسط السعودية)، اشتهروا بقوافل الإبل والخيل والسلع التي جابت الجزيرة العربية وخارجها، واستقر بعضهم في البلدان التي وصلوا إليها.
في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يحيط المزيني تفاصيل التحضيرات الإنتاجية بسياج من التحفظ، لكنه يتحدث بحرية أكبر عن رهانه على العمل، وأمنيته في أن يلتقط صنّاع المسلسل ما وراء الرحلات والمعارك والأسماء. فحكاية العقيلات، في نظره، تتجاوز قوافل التجارة إلى ملحمة عن الجوع والنجاة والغياب، وعن رجال عبروا الصحراء بحثاً عن الرزق، ونساء وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة الخوف.
وتتسع الحكاية، في رؤيته، لتشمل المملكة كلها؛ فالعقيلات تنقلوا بين مناطقها في مراحل مختلفة، ومثّلوا وسط الجزيرة العربية في البلدان التي بلغوها، كما بنوا سمعة ارتبطت بالصدق والأمانة.
ويستحضر المزيني هذا المعنى عبر أحد مشاهد الرواية، حين ائتمن رجل يهودي أحد العقيلات على الذهب بعدما عرف هويته، مستنداً إلى سمعتهم الراسخة في الأمانة وحفظ الحقوق.
بدأ افتتان المزيني بعالم العقيلات قبل «التغريبة النجدية» بسنوات، وتحديداً خلال كتابته ثلاثية «ضرب الرمل»، التي تحولت مسلسلاً تلفزيونياً عُرض في رمضان 2020. وكان آنذاك منكبّاً على البحث، حين اتضح له أن قصة العقيلات تنطوي على مادة روائية ثرية تجمع المغامرة بالتجارة، والجوع بالبحث عن الرزق، والرحلات الفردية بالتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.
ومن هنا، رأى فيهم ما يصفها بـ«روح الدولة المتحركة»؛ جماعة منظمة يقود قوافلها أمراء، ويمتد حضورها عبر مناطق عربية وأجنبية متعددة. وقد أصبح لبعض رجالها شأن وصيت، وشاركوا في أحداث وتحولات شهدتها البلدان التي مروا بها.
خرج العقيلات من وسط نجد، وتحديداً من القصيم ومناطق مجاورة، واتجهوا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حاملين تجارتهم إلى مسافات بعيدة. وكانوا يعودون أحياناً بالمكاسب، ويواجهون أحياناً أخرى خسائر الصحراء ومخاطرها؛ إذ امتلأت الطرق بقطاع الطرق والجيوش والمتنفذين المسيطرين على الأراضي، إلى جانب الصراعات السياسية بين أطراف متعددة.
ويلفت المزيني إلى مهارة العقيلات في التعامل مع هذه المخاطر؛ فقد استطاعوا، بخبرتهم وذكائهم، عبور وحشة الصحراء والتعامل مع القوى المسيطرة على طرقها «بطريقة احترافية جداً»، والوصول إلى وجهاتهم في كثير من الرحلات. وبالنسبة إليه، شكّل هذا التاريخ حمولة ذهنية ومرجعية دفعته إلى تحويله عملاً روائياً.
تتحرك «التغريبة النجدية» ضمن مرحلة تبدأ في نحو عام 1867، اختارها المزيني لما شهدته من تحولات فارقة في تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة. فالرواية تتابع العقيلات في زمن سبق تشكُّل الدولة السعودية الحديثة، وتربط مساراتهم بأحداث سياسية وعسكرية واقتصادية شهدتها الشام والعراق والجزيرة العربية.
ويشير المزيني إلى حضورهم في محيط «معركة ميسلون»، وإلى دورهم خلال التحولات التي رافقت جهود الملك عبد العزيز في توحيد البلاد وتأسيس الدولة السعودية. فقد أسهم رجال العقيلات في الإمداد بالسلاح والمال، وكانت الزكاة تُؤخذ منهم، كما قدّموا، في مراحل الشدة، دعماً مادياً أسهم في تجهيز الجيوش.
ويصف المزيني رحلة هؤلاء الرجال بأنها انتقال بين نوعين من الخطر: «هو هروب من الموت، ربما إلى موت آخر أحياناً». ومن خلال الجزأين الصادرين، يلاحق الكاتب هذه الرحلات عبر الشام والعراق، في حين يُحضِّر حالياً الجزء الثالث من الرواية.
يحضر الرجال في الواجهة الظاهرة لرحلات العقيلات، لكن المزيني يمنح النساء قلب الملحمة؛ فخروج الرجال مُدداً طويلة ترك المرأة أمام مسؤوليات البيت والأطفال والمزرعة والماشية، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الفقر والاعتداءات والخوف.
نوصي بقراءة: رحيل المصور دا سيلفيرا… 40 عاماً خلف عدسة وثّقت ذاكرة السعودية التاريخية
غلاف رواية «التغريبة النجدية» (الشرق الأوسط)
وبحماسة واضحة، يتحدث عن رغبته في إظهار بطولة المرأة في وسط الجزيرة العربية خلال تلك المرحلة. ويستعيد وقائع عن نساء تعلمن استخدام البارود، وارتدين ملابس الرجال، وتولين حماية البيوت والممتلكات، وواجهن العسكر الذين نهبوا الماشية. كما يستحضر رجالاً وضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف النساء في أوقات الضيق، لتتشكل من هذه الوقائع صورة مجتمع يقاوم الانهيار بما أتيح له من أدوات.
احتاج المزيني، خلال كتابة العمل، إلى التعامل مع منطقة دقيقة بين التاريخي والمتخيل. وعندما يُسأل عن ذلك، يشير إلى أن العقيلات مرتبطون بأسماء وأسر ووقائع وأمكنة محددة، وأن كثيراً من الحكايات انتقل شفهياً، فيما توزعت مادتها بين الكتب والمراجع وذاكرة الرواة.
وحين عاد إلى المصادر واستمع إلى الأحاديث المتداولة، وجد حكايات تناقلها الرواة عبر أسانيد يصعب تتبعها وصولاً إلى الواقعة الأولى أو صاحبها. وعن الشخصيات، يوضح أن بناءها جاء من مزج قصص متعددة وملامح متفرقة؛ ولهذا؛ فقد يعثر بعض القراء على صدى آبائهم وأجدادهم في شخصية بعينها، أو يربطون واقعة روائية بحادثة تناقلتها أسرهم.
استغرق بناء «التغريبة النجدية» سنوات من القراءة وجمع الحكايات والمراجع، فيما استغرقت كتابة الجزء الأول وحده نحو عامين. ويشرح المزيني طريقته من خلال مفهوم يسميه «لغة الصناديق»؛ إذ يخصص لكل مشروع صندوقاً تتراكم فيه الشخصيات والأحداث والأزمنة والأمكنة والملاحظات.
وفي أثناء القراءة والبحث والعمل اليومي، تتوارد إلى ذهنه أحداث يرى أنها تستحق التدوين، فيضعها في الصندوق المخصص للرواية. وقد يبقى المشروع في هذه المرحلة وقتاً طويلاً، إلى أن يحين وقت فتح الصندوق وبدء ترتيب مواده وصوغ النسق الروائي.
جاء الجزء الأول في أكثر من 350 صفحة، والثاني في أكثر من 400 صفحة، فيما يواصل المزيني إعداد المادة التي يراها جديرة باستكمال هذا العمل الملحمي. وقد يقود اتساع المشروع إلى 3 أو 4 أجزاء، وفق المساحة التي تحتاج إليها الرحلة وتفرعاتها الجغرافية والتاريخية.
يبدو العالم الروائي في «التغريبة النجدية» قريباً من حركة الكاميرا؛ انتقالات بين الأماكن، وتحولات بين الشخصيات، ومشاهد للصحراء والقوافل والمعارك والبيوت المنتظرة. وعندما يُسأل المزيني عما إذا كان قد تعمّد هذا البناء تمهيداً لانتقال الرواية إلى الشاشة، يربط الأمر بطبيعة تجربته في الكتابة.
ويوضح أن الأحداث تتحرك لديه بإيقاع درامي، وتنتقل من منطقة إلى أخرى، ومن شخصية إلى أخرى، كأن القارئ يشاهد فيلماً أو عملاً تلفزيونياً. وقد طوّر هذه اللغة البصرية في أعماله حتى باتت المشاهد تتشكل أمامه في أثناء الكتابة، وأصبح المكان جزءاً من الفعل الروائي.
ومع ذلك، فإن إحساسه بقابلية العمل للتحول إلى دراما يرتبط، قبل كل شيء، بأهمية موضوع العقيلات. يقول: «كان ينتابني شعور بأن هذا العمل سيصبح دراما»، ويعزو ذلك إلى استشعاره قيمة الحكاية، وإلى الحدث السردي الداخلي الذي بدا له مهيأً للوصول إلى الشاشة يوماً ما.
يقود الحديث عن «العقيلات» إلى سؤال أوسع عن العلاقة بين الرواية والدراما السعودية، خصوصاً بعد النجاح الذي حققه مسلسل «شارع الأعشى»، المأخوذ من رواية الدكتورة بدرية البشر.
ويرى المزيني أن تحويل الرواية مسلسلاً يحتاج إلى كتّاب مختصين يمتلكون أدوات المعالجة الدرامية؛ فالنص الأدبي يأتي بلغة رصينة وإيقاع سردي خاص، فيما تحتاج الشاشة إلى إعادة ترتيب الأحداث وتوزيعها على الحلقات، وصناعة حركة درامية تتناسب مع الصورة والزمن التلفزيوني.
ويشيد المزيني بتجربة «شارع الأعشى»، ويرى أن الوقت الطويل الذي استغرقه تطوير العمل أسهم في خروجه بصورة جعلته نموذجاً للدراما السعودية المأخوذة من الأدب. وبالنسبة إليه، تكمن قيمة النص الروائي في ثرائه الداخلي، في حين تتطلب معالجته كتّاباً قادرين على التقاط هذا الثراء وتحويله فعلاً درامياً.
وبينما تمضي التحضيرات التلفزيونية، فإن المزيني يواصل إعداد الجزء الثالث. وهكذا، يصل «العقيلات» إلى التلفزيون في وقت تواصل فيه روايتهم اتساعها على الورق؛ فالمسلسل يفتح نافذة على العالم الذي بناه المزيني، في حين تقود الأجزاء المقبلة القوافل إلى محطات أبعد.




