الرئيسيةالاقتصاد والأعمالالاستهلاك والأمن الغذائي يختبران الاقتصاد الياباني

الاستهلاك والأمن الغذائي يختبران الاقتصاد الياباني

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

تكشف أحدث البيانات الاقتصادية في اليابان عن تزايد الضغوط التي تواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع استمرار ضعف الإنفاق الاستهلاكي للأسر وتراجع الاكتفاء الذاتي الغذائي إلى أحد أدنى مستوياته بين الاقتصادات المتقدمة، في وقت تتداخل فيه تأثيرات الأحوال الجوية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتلقي بظلالها على آفاق النمو.

وأظهرت بيانات وزارة الشؤون الداخلية اليابانية أن إنفاق الأسر انخفض في يونيو (حزيران) بنسبة 3.3 في المائة على أساس سنوي، مخالفاً توقعات الأسواق التي رجَّحت ارتفاعه بنسبة 1 في المائة. كما تراجع الإنفاق بنسبة 6.4 في المائة على أساس شهري بعد احتساب العوامل الموسمية، وهو انخفاض تجاوز التوقعات التي كانت تشير إلى تراجع قدره 3.1 في المائة. ويعد هذا الشهر السابع على التوالي الذي يسجل فيه الإنفاق الاستهلاكي تراجعاً؛ ما يعكس استمرار ضعف الطلب المحلي رغم التحسن النسبي في سوق العمل.

وأرجع مسؤول في الوزارة هذا التراجع بصورة أساسية إلى الظروف الجوية غير المواتية، بما في ذلك الأعاصير وغزارة الأمطار التي حدّت من النشاط الاستهلاكي، مؤكداً أن ارتفاع تكاليف المعيشة لم يكن السبب الوحيد وراء ضعف الإنفاق. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نسبة الدخل التي تخصصها الأسر للاستهلاك بدأت تتراجع منذ أواخر العام الماضي؛ وهو ما يعكس ميلاً متزايداً نحو الادخار بدلاً من الإنفاق في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وتأتي هذه البيانات في وقت أظهرت فيه أرقام وزارة العمل نمواً في الأجور الحقيقية بنسبة 1.6 في المائة خلال يونيو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتسجل الزيادة الشهرية السادسة على التوالي. ورغم أن تحسن الأجور يُعدّ مؤشراً إيجابياً، فإنه لم ينعكس حتى الآن على إنفاق المستهلكين؛ الأمر الذي يشير إلى استمرار حذر الأسر اليابانية في مواجهة ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذاء والطاقة.

ويرى محللون أن الصراع في الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد الياباني؛ كونه يعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة. وقال سوتا تاكانو، كبير الاقتصاديين في معهد «إيتوشو» للأبحاث، إن فرص تحقيق انتعاش قوي في الاستهلاك الخاص تبدو محدودة؛ لأن الحرب الإيرانية رفعت أسعار المواد الغذائية والطاقة، حتى مع استمرار برامج الدعم الحكومية. وأضاف أن تحسن المعنويات يتطلب تغيراً جذرياً في الظروف الحالية، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين يجعل من الصعب توقع تعافٍ سريع في الإنفاق الاستهلاكي.

وتحظى هذه البيانات باهتمام خاص من جانب «بنك اليابان»، الذي يستعد لاجتماعه المقبل للسياسة النقدية؛ إذ يراقب تطورات الاستهلاك بصفتها مؤشراً مهماً على قوة الطلب المحلي وقدرته على دعم التضخم بصورة مستدامة. ورغم أن بيانات شهر واحد لن تكون كافية لتغيير مسار السياسة النقدية، فإن استمرار ضعف الإنفاق قد يدفع البنك إلى توخي الحذر في وتيرة تشديد السياسة النقدية.

تصفح أيضًا: أعضاء بنك كوريا يدرسون مزيداً من تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم

وفي موازاة تحديات الاستهلاك، برز ملف الأمن الغذائي بوصفه أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه اليابان. فقد أعلنت وزارة الزراعة أن معدل الاكتفاء الذاتي الغذائي، وفقاً لمعيار السعرات الحرارية، تراجع إلى 37 في المائة خلال السنة المالية المنتهية في مارس (آذار)، منخفضاً نقطة مئوية واحدة عن العام السابق، وبعيداً عن هدف الحكومة البالغ 45 في المائة بحلول عام 2030.

ويعد هذا المعدل من بين الأدنى في الدول المتقدمة؛ ما يعكس اعتماد اليابان الكبير على الواردات الغذائية في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط. وأوضحت الوزارة أن انخفاض استهلاك الأرز وارتفاع المخزونات لدى القطاع الخاص كانا من أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع نسبة الاكتفاء الذاتي.

ورغم الجهود الحكومية المستمرة منذ سنوات لتعزيز إنتاج المحاصيل التي تعتمد البلاد على استيرادها، مثل القمح وفول الصويا، فإن نسبة الاكتفاء الذاتي ظلت دون مستوى 40 في المائة لأكثر من عقد. وفي المقابل، تظهر المقارنات الدولية اتساع الفجوة؛ إذ تتجاوز هذه النسبة 100 في المائة في دول مثل أستراليا، وكندا، والولايات المتحدة وفرنسا، في حين تبلغ 81 في المائة في ألمانيا و56 في المائة في بريطانيا و51 في المائة في إيطاليا.

ويواجه القطاع الزراعي الياباني تحديات هيكلية مزمنة، أبرزها شيخوخة العاملين في الزراعة، ونقص الأيدي العاملة الجديدة، وتراجع مساحة الأراضي الزراعية، إضافة إلى تغير الأنماط الغذائية للمستهلكين الذين يتجهون بصورة أكبر نحو استهلاك اللحوم والأطعمة المصنعة بدلاً من الأرز؛ وهو ما يضغط على الإنتاج المحلي.

وتسعى الحكومة إلى معالجة هذه الفجوة عبر توسيع المساحات المزروعة بالقمح وفول الصويا، في إطار خطة تستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 45 في المائة بحلول نهاية العقد الحالي. كما تعتزم وزارة الزراعة مراجعة التقدم المحرز خلال وقت لاحق من الشهر الحالي، مع دراسة اتخاذ إجراءات إضافية إذا اقتضت الحاجة.

وتبرز هذه التطورات أن الاقتصاد الياباني يواجه تحديين متوازيين؛ فمن جهة، يحتاج إلى استعادة ثقة المستهلكين وتحفيز الطلب المحلي ليصبح محركاً أكثر استدامة للنمو، ومن جهة أخرى، يواجه ضرورة تعزيز أمنه الغذائي وتقليل اعتماده على الواردات في ظل عالم يشهد تصاعداً في المخاطر الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد. وتبقى قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي عاملاً حاسماً في رسم ملامح الاقتصاد الياباني خلال السنوات المقبلة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات