لم تكن العاصفة المطرية المفاجئة التي ضربت السواحل الجنوبية لإسبانيا مجرد حدث عابر يمر على مقاطعة مالقة الأندلسية، بل تحولت سريعاً إلى أزمة بيئية وصحية تصدرت واجهات الصحف الأوروبية، بعد أن رفعت السلطات المحلية الراية الحمراء وحظرت السباحة في 6 من أشهر شواطئ المدينة. السبب وراء هذا القرار الحاسم لم يكن اضطراب أمواج البحر، بل كائن مجهري لا يُرى بالعين المجردة: بكتيريا الإشريكية القولونية المعروفة عالمياً باسم إي كولاي (E. coli).
ففي ذروة الموسم السياحي الصيفي، أظهرت التحاليل المخبرية التي أجرتها شركة المياه البلدية إيماسا (Emasa) قفزة حادة في مستويات التلوث البكتيري تجاوزت الحدود القانونية المسموح بها بموجب التشريعات الأوروبية الصارمة، ما أثار موجة من القلق والأسئلة حول طبيعة هذه الجرثومة، ومسارات انتقالها، ومدى خطورتها على الصحة العامة.
في الأصل، تُعد «الإشريكية القولونية» عائلة واسعة من البكتيريا سلبية الغرام، التي تستوطن بشكل طبيعي بأعداد هائلة أمعاء البشر والحيوانات ذوات الدم الحار.
وفي سياقها الطبيعي، تُعتبر هذه الجرثومة صديقة للأمعاء ومفيدة للهضم، غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تظهر سلالات متحورة تحمل جينات ممرضة. ومن أبرز هذه السلالات الخطيرة السلالة المنتجة لسموم «الشيغا»، التي تهاجم بطانة الأمعاء الدقيقة بقوة وتتسبب في إتلاف الخلايا وتدميرها، متحولة من مكون حيوي مسالم إلى ميكروب شرس يهدد السلامة الجسدية.
بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)
تنتقل البكتيريا الممرضة بشكل أساسي عبر مسار يسمى علمياً المسار الفموي – الشرجي، وذلك نتيجة تلوث عناصر البيئة بفضلات الإنسان أو الحيوان.
ويمثل تلوث المياه القناة الأبرز في الأزمة الحالية الممتدة على شواطئ مالقة، مثل غوادالمار ولا ميسيريكورديا وسان أندريس وإل بالو، حيث أدت الأمطار الغزيرة والفيضانات إلى الضغط على شبكات الصرف الصحي المشتركة، فاختلطت مياه الأمطار بالمياه العادمة وتدفقت نحو البحر، ما جعل ابتلاع مياه البحر أثناء السباحة وسيلة مباشرة للإصابة.
إلى جانب تلوث الشواطئ، تتعدد قنوات الانتقال لتشمل الأطعمة الملوثة، ويحدث ذلك عند تناول اللحوم المفرومة غير المطهوة جيداً كالبرغر، أو شرب الحليب الخام غير المبستر، بالإضافة إلى الفواكه والخضراوات الطازجة التي تُروى بمياه ملوثة دون غسلها جيداً.
كما يلعب الاتصال الشخصي المباشر دوراً كبيراً في تفشي العدوى نتيجة إهمال النظافة الشخصية، حيث يمكن لشخص مصاب لا يغسل يديه جيداً بعد استخدام المرحاض أن ينقل الجراثيم مباشرة إلى الأسطح المشتركة أو الأطعمة.
نوصي بقراءة: موسكو تتّهم كييف باغتيال كبير مهندسي محطة زابوريجيا النووية
تتنوع المظاهر المرضية لعدوى «إي كولاي» بناءً على مكان استقرار البكتيريا في الجسم، ومن أشهر أمثلتها النزلة المعوية الحادة التي تبدأ أعراضها عادة خلال 3 إلى 4 أيام من التقاط البكتيريا.
وتشمل هذه الحالة تقلصات مؤلمة وشديدة في المعدة، تليها نوبات من الإسهال المائي الذي قد يتحول سريعاً إلى إسهال دموي حاد، يصاحبه غثيان وقيء مستمر يحرم الجسم من السوائل الحيوية.
ومن الأمثلة الشائعة الأخرى لالتهابات هذه البكتيريا هي التهابات المسالك البولية، إذ تُعد «إي كولاي» المسؤول الأول والأكثر شيوعاً عن هذه الالتهابات عالمياً، وتحدث عندما تتسلل البكتيريا من الجهاز الهضمي إلى مجرى البول لتتكاثر في المثانة مسببة آلاماً حادة، وهي حالة شائعة لدى النساء والحوامل بشكل خاص.
أما المضاعفة الأكثر رعباً للأطباء فتمثلها متلازمة انحلال الدم اليوريمي، التي تصيب نسبة من المرضى وخاصة الأطفال وكبار السن، حيث تدمر السموم خلايا الدم الحمراء وتسبب فشلاً كلوياً حاداً قد يهدد الحياة.
أعادت أزمة السواحل الإسبانية الحالية تسليط الضوء على المعركة المستمرة بين التغير المناخي وشبكات البنية التحتية في المدن السياحية الكبرى.
ورغم أن سلطات مالقة باشرت فوراً عمليات تطهير واسعة وبدأت في دراسة خطط لفصل شبكات مياه الأمطار عن شبكات الصرف الصحي بشكل كامل لمنع تكرار المأساة، فإن الخبراء الصحيين يشددون على أن الالتزام بالراية الحمراء والامتناع عن السباحة في المياه المحظورة يبقى خط الدفاع الأول لحماية السياح والمواطنين من براثن هذا العدو الخفي.
إن الخطر الحقيقي لبكتيريا «إي كولاي» لا ينحصر في النطاق الجغرافي لبؤرة التلوث الأولى في مالقة، بل يمتد لامتلاكها قدرة فائقة على الانتقال السريع إلى مدن إسبانية أخرى ودول أوروبية وعالمية عبر عدة مسارات حيوية.
ويأتي قطاع السياحة والسفر الدولي كأبرز هذه المسارات، حيث يمكن للسياح والزوار الحاملين للبكتيريا (سواء ظهرت عليهم الأعراض أم كانوا حاملين صامتين لها) نقل العدوى إلى بلدانهم الأصلية ومدنهم عند العودة، ومواصلة نشرها محلياً نتيجة غياب تدابير النظافة الصارمة.
وعلاوة على حركة البشر، تلعب شبكات التجارة الدولية وسلاسل التوريد الغذائي دوراً محورياً في عولمة المرض، إذ إن شحن المنتجات الزراعية المروية بمياه ملوثة، أو اللحوم والأغذية المصنعة في مناطق موبوءة، كفيل بنقل الجرثومة عبر القارات في غضون أيام قليلة.
كما لا يمكن إغفال العوامل البيئية الطبيعية، حيث تساهم التيارات البحرية وحركة المياه الساحلية المترابطة في نقل التلوث البكتيري من شواطئ مالقة إلى سواحل المدن والمقاطعات المجاورة، ما يجعل من هذه الأزمة البيئية تحدياً صحياً عابراً للحدود يستلزم تنسيقاً رقابياً دولياً لمكافحته.




