الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةمعرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران التاريخية، وصمت شواهد القبور الحجازية التي تروي قصص الراحلين بالخط الكوفي البديع، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

وبالتزامن مع اليوم العالمي للصخور تستضيف مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض معرضاً استثنائياً بعنوان «من العُلا إلى نجران… تاريخ لا يمحوه الزمان»، يضم على جدرانه قطعاً صخرية متنوعة الأشكال، تأخذ الزائر في رحلة بصرية وعلمية عبر الزمن، ليفك شفرات لغة الأرض وإرث الإنسان الذي نُحت في الصخر ليبقى عصياً على النسيان.

تبدأ رحلة المعرض من قلب جبال طويق وشعاب الخصم في منطقة الرياض (الشرق الأوسط)

تبدأ رحلة المعرض من قلب جبال طويق وشعاب الخصم في منطقة الرياض، وتتربع «أحفورة مرجان المخ الميت» في المكان بوصفها قطعة جيولوجية نادرة، تشبه بتلافيفها الدقيقة المخ البشري، وتعود إلى بقايا مستعمرة شعاب مرجانية قديمة تنتمي إلى شعبة اللاسعات (طائفة المرجانيات) التي تحجرت عبر ملايين السنين.

وتعد هذه الأحفورة، التي تعود للعصور الباليوزوية أو الميزوزوية، شاهداً علمياً قاطعاً على أن وسط الجزيرة العربية كان يوماً غارقاً تحت مياه بحار قديمة دافئة، كما تُستخدم هذه التكوينات الرسوبية كأدوات حاسمة لعلماء الجيولوجيا لتحديد أعمار الطبقات الأرضية، وتتبع التحولات المناخية الكبرى.

ولا يقتصر الشاهد البيئي على البحار؛ إذ يضم المعرض أنسجة نباتية وأشجاراً متحجرة يعود تاريخها إلى ملايين السنين دُفنت بفعل الترسبات الطينية أو الأنشطة البركانية في عصور كانت تضج بالغابات الكثيفة، وباتت اليوم بمنزلة «كتاب مفتوح» يساعد العلماء على فهم جغرافيا المناخ القديم للجزيرة العربية وتحولاتها من الخضرة والنماء إلى الطبيعة الصحراوية الحالية.

من الجيولوجيا إلى الحضارة الإنسانية ينتقل المعرض بالزوار إلى الجنوب الساحر، وتحديداً إلى منطقة نجران. هناك، تقف قطعة أثرية من الرخام الأبيض تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، حُفر عليها بـ«الخط المسند» الجنوبي العريق.

ولا تمثل هذه القطعة مجرد أثر فني، بل هي حلقة وصل معرفية توثق تطور الحرف العربي؛ فالخط المسند هو الأب الروحي الذي تفرعت منه الروابط والأحرف العربية الحديثة، لتشهد هذه الصخرة الرخامية على ريادة إنسان الجزيرة العربية في تدوين فكره ولغته ومعاملاته منذ ما يقارب ثلاثة آلاف عام.

تصفح أيضًا: الحساوي بعد التجديد للفيصلي: البيئة الاحترافية دفعتني للاستمرار

نُقوش بالخط الكوفي الغائر تمثل بدايات التدوين الجنائزي الإسلامي البسيط والعميق في آن واحد (الشرق الأوسط)

وفي زاوية أخرى يقدم المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني، التي عُثر عليها في منطقة الحجاز، والتي تعكس ملامح من العهد الإسلامي المبكر وتطور الخط العربي.

ومن المعروضات يبرز شاهد قبر من القرن الأول الهجري، يعود لـ«قاسم بن صالح»، وقد نُقش بالخط الكوفي الغائر، ليمثل بدايات التدوين الجنائزي الإسلامي.

شواهد القبور الحجازية تروي قصص الراحلين بالخط الكوفي البديع (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض أيضاً شواهد من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، تبرز في تفاصيلها دقة النقش بالخط الكوفي البارز؛ إذ نرى شاهداً لـ«أبي الحارث محمد بن روح المخزومي» مكوناً من 12 سطراً بديعاً، وشاهداً آخر لـ«الحارث بن محمد بن هشام بن المغيرة المخزومي»، يعكسان هيبة الخط وحضور القبائل القرشية المخزومية في تاريخ الحجاز ومكانتها الاجتماعية.

تحضر «الرحى» كأداة حجرية تراثية لا غنى عنها في المنازل القديمة (الشرق الأوسط)

ولم يغفل المعرض تفاصيل الحياة اليومية والوجدانية لإنسان الجزيرة العربية؛ إذ تحضر «الرحى» كأداة حجرية تراثية لا غنى عنها في المنازل القديمة.

وتتكون الرحى من حجرين مستديرين متطابقين يوضعان فوق بعضهما لطحن الحبوب وتحويلها إلى دقيق. ويتجاوز حضور الرحى في المعرض بُعده المعيشي إلى البُعد الثقافي والرمزي؛ إذ طالما كانت الرحى حاضرة في وجدان الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي، مروراً بالعصور الإسلامية والأموية والعباسية، حيث كانت تظهر في قصائد الفخر والحرب كرمز للدوران والاستمرارية، وصراع الأيام التي «تطحن» الناس والجيوش كما يطحن الحجر حبات القمح.

وفي مجمله يمثل معرض «من العُلا إلى نجران» استعادة بصرية لتاريخ وطني كُتب على تضاريس الأرض، ودعوة مفتوحة للأجيال الجديدة لقراءة كتاب الطبيعة والحضارة الذي خطّته يد الزمن على صخور السعودية في مختلف مناطقها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات