إذا كنت تتابع بشغف الدقائق القليلة التي تسبق انطلاق المباريات في كأس العالم 2026، أو كنت من المحظوظين بالجلوس في المدرجات، فمن المستحيل أن تخطئ عيناك ذلك المشهد المهيب: فرق تصطف، وأناشيد وطنية تُعزف، وفجأة، يظهر عشرات المتطوعين يحملون أعلامًا ضخمة تغطي أرضية الملعب، وكأن عملاقًا أسطوريًا أسقط مفرش طاولته مبكرًا عن طريق الخطأ!
ولكن، هل تساءلت يومًا عن سر هذه الأعلام العملاقة؟ ولماذا تُصر الفيفا على هذا الطقس المعقد؟
تُعد هذه اللافتات والأعلام الضخمة واحدة من أكثر العمليات اللوجستية إثارة للإعجاب، فهي ليست أعلامًا بالمعنى التقليدي المتعارف عليه.
تُصنع هذه الأعلام خصيصًا من أقمشة صناعية خفيفة الوزن مثل البوليستر أو النايلون، لتُحقق معادلة شبه مستحيلة: يجب أن تكون خفيفة ليحملها المتطوعون، وقوية لتحمل الطي والفرد عشرات المرات، ومتينة بما يكفي لمقاومة الرياح والأمطار والحرارة، وحتى دعسات أقدام المتطوعين غير المقصودة!
المثير للاهتمام أن الفيفا تُبقي تفاصيل الشركات المصنعة لهذه الأعلام طي الكتمان، تمامًا كما تفعل مع أسرار عشب الملاعب، تاركة المهمة لشركات منسوجات عملاقة متخصصة في تجهيزات الفعاليات الكبرى.
لندرك حجم الجنون اللوجستي، يكفي أن تنظر إلى مساحة هذه الأعلام؛ العلم الدائري الخاص بشعار الفيفا يغطي دائرة المنتصف بالكامل (أكثر من 60 قدمًا).
أما الأعلام الوطنية للمنتخبات، فهي وحوش قماشية حقيقية؛ يمتد العلم الواحد بعرض الملعب تقريبًا (حوالي 223 قدمًا) وطول يصل إلى 115 قدمًا.
نوصي بقراءة: المونديال الحقيقي بدأ.. رسائل حماسية من لامين يامال للاعبي إسبانيا قبل مواجهة النمسا
هذه الأعلام لا تُطبع في مطبعة عادية، بل تُطبع على شكل أجزاء متفرقة، ثم تُخاط معًا وتخضع لاختبارات قاسية قبل أن تصل إلى الملعب.
بمجرد دخول هذه الأقمشة الضخمة إلى الملعب، فإنها تتصرف كـ “شراع سفينة” أكثر من كونها علمًا، فإذا هبت الرياح فجأة، يتحول الأمر إلى صراع بدني حقيقي مع الطبيعة!
هنا يبرز دور الجنود المجهولين؛ فبحسب حجم اللافتة، يتطلب الأمر جيشًا يتراوح بين العشرات إلى أكثر من 100 متطوع لحملها بأمان.
غالبًا ما يتم اختيار هؤلاء المتطوعين من السكان المحليين أو الطلاب، ليحظوا بفرصة تاريخية للوقوف على العشب الأخضر، وربما المغادرة وفي جيوبهم خفيةً عودٌ تذكاري من عشب الملعب!
بذل كل هذا الجهد لصناعة علم بحجم شقة سكنية واستخدامه لدقائق معدودة يبدو أمرًا مؤسفًا، لكن المنظمين يمتلكون خططًا ذكية لتجنب إلقاء هذه الأطنان من الأقمشة في مكبات النفايات:
في المرة القادمة التي تسمع فيها النشيد الوطني لمنتخبك المفضل وتُشاهد تلك الملاءة العملاقة مفرودةً بشكل مثالي على العشب، توقف للحظة وابتسم؛ فهناك جيش من المتطوعين يحارب الرياح والوزن الثقيل لضمان خروج هذا المشهد الذي يستمر لدقائق معدودة بأبهى صورة.
إنها تفاصيل صغيرة لا تظهر غالبًا في ملخصات الأهداف، لكنها بالتأكيد تجعل من بطولات كرة القدم الحدث الأكثر إبهارًا على وجه الأرض!




