شهدت العلاقات الروسية – الأوروبية تصعيداً لافتاً خلال الساعات الـ48 الماضية، مع تبادل موسكو وكوبنهاغن اتّهامات حول حادث في مياه البلطيق، وإسقاط مقاتلة تابعة لـ«الناتو» مسيّرة روسية في أجواء ليتوانيا.
وزادت تصريحات وزارة الخارجية الروسية الموجّهة لقادة أوروبيين من حدّة التصعيد، بعد دعوتها السياسيين والدبلوماسيين الغربيين التقييم «بجدية» مخاطر السفر إلى أوكرانيا. وجاءت تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا بعد يومين من استهداف طائرة مسيرة روسية قطار ركاب على خط مر عبره قبل دقائق من الهجوم قطار آخر يقل مجموعة من بينهم رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت. وقالت زاخاروفا إن مراكز السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل التي تخدم الجيش الأوكراني أهداف مشروعة، وإن موسكو أصدرت تنبيهات لدبلوماسيين أجانب في مايو (أيار) لمغادرة كييف بسبب هجمات روسية على المجمع الصناعي العسكري الأوكراني.
اتهمت الدنمارك، الثلاثاء، روسيا بإطلاق قنبلتين مضيئتين باتجاه مروحية تابعة لها كانت تنفّذ مهمة فوق بحر البلطيق، واصفة الأمر بأنه «عمل متهور»، بينما ردت موسكو معتبرة أن المروحية أقدمت على «مناورات استفزازية». وقالت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في منشور عبر منصة «إكس» إن «الأعمال الروسية تهدف إلى الترهيب وزرع الفرقة، لكنها لن تنجح. لن نتراجع». وبحسب الجيش الدنماركي، وقعت الحادثة، مساء الاثنين، قبالة سواحل غيدسر في أقصى جنوب الدنمارك. وأكّد الجيش في بيان أن سفينة حربية روسية استهدفت إحدى مروحياته، موضحاً أنها كانت وقت استهدافها تُجري عملية تصوير روتينية قرب فرقاطة روسية راسية في المياه الدولية، وأضاف أن الفرقاطة أطلقت «قنبلتين باتجاه المروحية، مرّت إحداهما على مقربة منها»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».
قد يهمك أيضًا: سفينة حربية روسية تجري تدريباً بالذخيرة الحية في المانش
وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إن الحادثة «غير مقبولة مطلقاً، وكان من الممكن أن تُعرّض حياة أشخاص للخطر». وأضاف أن «روسيا تتجاوز باستمرار حدود ما تعده سلوكاً مقبولاً»، مشدداً أن «هذا أمر لا يمكننا قبوله». وندّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالتصرف الروسي. وقالت في منشور على منصة «إكس»: «مرة أخرى، تجد أوروبا نفسها في مواجهة السلوك غير المسؤول والخطير لروسيا».
من جهتها، سارعت موسكو إلى إلقاء المسؤولية على عاتق الدنمارك. وندّد السفير الروسي في الدنمارك فلاديمير باربين بـ«مناورات استفزازية» قامت بها المروحية الدنماركية فوق بحر البلطيق، نافياً أنها كانت تقوم بـ«تدريب روتيني»، وفق ما أورد في بيان نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، وقال إن «هذا الحادث الأخير يثبت أن مشكلات التواصل لا تأتي من جانب سفن البحرية الروسية، بل من الطرف الدنماركي». واستدعى راسموسن السفير الروسي «لتوضيح ملابسات هذه الحادثة».
تصاعدت التوترات في بحر البلطيق بشكل حاد منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. واتهمت الدنمارك، عضو حلف شمال الأطلسي والداعمة لأوكرانيا مراراً روسيا بتنفيذ عمليات متعددة الوسائل على أراضيها. في خريف 2025، اخترق عدد من المسيّرات أجواء الدنمارك؛ ما تسبب في تعليق حركة الطيران وإغلاق مطارات، من بينها مطار كوبنهاغن، أكبر المطارات في شمال أوروبا. وبدأت حوادث تحليق المسيّرات المجهولة بعد أيام فقط من إعلان الدنمارك، للمرة الأولى، عن اقتناء أسلحة دقيقة بعيدة المدى، في خطوة عزتها إلى التهديد الذي تمثله روسيا «للسنوات المقبلة». وفي حين لم يستطع المحققون تحديد الجهة المسؤولة عن تحليق الطائرات المسيّرة، أشارت فريدريكسن آنذاك بأصابع الاتهام إلى روسيا. وفي سبتمبر (أيلول)، قالت الاستخبارات الدنماركية إن موسكو «تستعد بشكل نشط لتنفيذ عمليات تخريب» تستهدف قطاع الصناعات الدفاعية في البلاد. وأفاد مسؤولون في الاستخبارات الدنماركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأنّ روسيا تجنّد «دنماركيين عاديين» عبر وسائل التواصل الاجتماعي لالتقاط صور يمكن استخدامها في التخطيط لأعمال تخريبية، كما اتّهمت الدنمارك مجموعات قرصنة مرتبطة بالدولة الروسية بشن هجمات سيبرانية ضد الدنمارك.
وقبل حادثة الدنمارك بقرابة 24 ساعة، أعلن مركز إدارة الأزمات الليتواني أن طائرة مقاتلة تابعة لحلف شمال الأطلسي أسقطت طائرة مسيرة في ليتوانيا بعد منتصف ليل الاثنين بقليل. وأضاف المتحدث باسم المركز أن الطائرة المسيرة، التي يرجح أنها دخلت الأجواء من بيلاروسيا، أُسقطت بالقرب من قرية براتكوناي في جنوب ليتوانيا. وأشار إلى أن مصدرها لم يتحدد بعد، وكان تحذير قد صدر في وقت سابق من وجود طائرة مسيرة في العاصمة فيلنيوس والمنطقة المحيطة بها. وتسير مقاتلات تابعة لبعثة حلف شمال الأطلسي لمراقبة المجال الجوي في دول البلطيق دوريات في أجواء لاتفيا وليتوانيا وإستونيا منذ انضمام هذه الدول إلى الحلف في 2004. وأسقطت طائرات البعثة مسيرات أوكرانية طائشة فوق إستونيا في مايو، وفوق لاتفيا في يونيو (حزيران) وأغسطس (آب). وأثارت الطائرات العسكرية المسيرة التي انحرفت عن مسارها، ودخلت المجال الجوي لدول مجاورة لروسيا مخاوف من أن الحرب التي تشنها موسكو في أوكرانيا تتجاوز حدود حلف شمال الأطلسي. وصعّدت أوكرانيا من هجماتها بالطائرات المسيرة بعيدة المدى على روسيا، بما في ذلك في منطقة بحر البلطيق، وتوغلت مسيرات عسكرية أوكرانية في المجال الجوي لفنلندا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا. وألقت أوكرانيا باللوم في هذه الحوادث على روسيا، زاعمة أنها أثّرت على مسارات الطائرات المسيرة باستخدام الحرب الكهرومغناطيسية.




