أصبحت مشاهد الحقن الهرمونية والمستحضرات التي تُروَّج داخل بعض الأندية الرياضية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي مألوفةً بين الشباب الساعين إلى بناء العضلات، وتحسين المظهر الجسدي في وقت قياسي. ومع اتساع هذه الظاهرة، تبرز تساؤلات مشروعة: هل يمكن لهرمون التستوستيرون أن يحقق أحلام العضلات المفتولة وبناء الجسم المثالي؟ وهل استخدامه آمن لدى الأصحاء؟ وأين تنتهي الفوائد العلاجية ويبدأ خطر إساءة الاستخدام؟ وما حقيقة تأثيره في الخصوبة وصحة القلب والحالة النفسية؟ وما موقف الدراسات العلمية الحديثة من استعماله خارج الإطار الطبي؟
هذه وغيرها من التساؤلات يجيب عنها الأستاذ الدكتور عبد المعين عيد الأغا، أستاذ طب الأطفال والغدد الصماء بكلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز، واستشاري الغدد الصماء وسكري الأطفال، مستنداً إلى خبرته السريرية، وإلى أحدث ما توصلت إليه الأدلة العلمية، ليضع أمام القارئ الصورة الطبية الصحيحة بعيداً عن المبالغات، والمعلومات المضللة المنتشرة في بعض الأوساط الرياضية.
الأستاذ الدكتور عبدالمعين عيد الأغا
هرمون علاجي وليس مكملاً
أوضح الأستاذ الدكتور عبد المعين عيد الأغا أن الانتشار المتزايد لاستخدام هرمون التستوستيرون بين بعض مرتادي الأندية الرياضية يمثل ظاهرة مقلقة تستوجب الوقوف عندها بجدية، إذ إن السعي وراء بناء العضلات بسرعة، أو الوصول إلى المظهر الجسدي المثالي قد يقودان إلى مخاطر صحية تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويؤكد أن الرياضة كانت وما زالت أحد أهم مفاتيح الصحة، وجودة الحياة، فهي وسيلة فعالة للوقاية من الأمراض، وتعزيز اللياقة البدنية، والصحة النفسية. إلا أن بعض المفاهيم الخاطئة التي انتشرت في الآونة الأخيرة دفعت بعض المتدربين إلى الاعتقاد بأن الجسم المثالي لا يتحقق إلا من خلال الحقن الهرمونية، أو العقاقير المنشطة، وهو اعتقاد لا يستند إلى حقائق طبية، أو علمية.
ويشير البروفسور الأغا إلى أن هرمون التستوستيرون يعد هرموناً أساسياً في جسم الإنسان، وله دور مهم في النمو، وبناء العضلات، والمحافظة على صحة العظام، والوظائف الجنسية، والإنجابية. لكنه في الوقت نفسه دواء علاجي لا يجوز استخدامه إلا في حالات مرضية محددة يتم تشخيصها بدقة بواسطة الطبيب المختص بعد إجراء الفحوصات اللازمة. ولذلك فإن تحويل هذا الهرمون إلى وسيلة تجميلية أو رياضية لتحقيق مكاسب سريعة يمثل ممارسة غير آمنة قد تترتب عليها مضاعفات صحية خطيرة.
• مخاطر تتجاوز العضلات وتمتد إلى الخصوبة والقلب. واستناداً إلى العديد من الدراسات الطبية العالمية، يحذر البروفسور الأغا من إساءة استخدام هرمون التستوستيرون ومشتقاته لدى الأشخاص الأصحاء خارج نطاق الاستعمالات الطبية المعتمدة، وذلك بعد أن ثبت ارتباطه باضطرابات هرمونية معقدة، فقد يتوقف الجسم تدريجياً عن إنتاج الهرمون بصورة طبيعية، ما يؤدي إلى ضمور الخصيتين، وانخفاض إنتاج الحيوانات المنوية، وضعف الخصوبة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى العقم المؤقت، أو الدائم.
ولا تقتصر المضاعفات على الجهاز التناسلي، بل تمتد إلى الجهاز القلبي الوعائي، حيث قد يؤدي الاستخدام العشوائي إلى ارتفاع ضغط الدم، وزيادة لزوجة الدم، وارتفاع نسبة كريات الدم الحمراء، وهو ما يرفع احتمالية الإصابة بالجلطات القلبية والدماغية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطورة، أو تاريخ مرضي سابق.
ويضيف أن التأثيرات السلبية قد تمتد أيضاً إلى الكبد، وإلى اضطراب مستويات الدهون في الدم، الأمر الذي ينعكس على الصحة العامة مع مرور الوقت.
• التأثيرات النفسية وجه آخر للمشكلة. ويؤكد الأستاذ الدكتور عبد المعين الأغا أن التأثيرات النفسية الناتجة عن إساءة استخدام هرمون التستوستيرون لا تقل خطورة عن المضاعفات العضوية، إذ قد يعاني بعض المستخدمين من نوبات عصبية حادة، وتقلبات مزاجية وعدوانية غير معتادة، إضافة إلى القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر إلى الاعتماد النفسي على هذه المستحضرات، والشعور بعدم القدرة على الاستمرار في ممارسة الرياضة دونها.
ويلفت إلى أن من أخطر الظواهر التي يواجهها المختصون اليوم هي حصول بعض المتدربين على حقن أو مستحضرات هرمونية بناءً على توصيات من غير المختصين، أو عبر مصادر مجهولة، وغير موثوقة، ودون أي تقييم طبي، أو فحوصات مخبرية، الأمر الذي يضاعف احتمالات التعرض لمضاعفات صحية قد لا تظهر إلا بعد أشهر، أو حتى سنوات من الاستخدام.
• وصفة طبية… لا نصيحة رياضية. ويشدد الأستاذ الدكتور الأغا على أن مدرب اللياقة البدنية يؤدي دوراً مهماً في تصميم البرامج التدريبية، وتحسين الأداء الرياضي، لكنه ليس مخولاً بتشخيص الأمراض، أو وصف العلاجات، أو التوصية باستخدام الهرمونات، والأدوية، فهذه مسؤولية طبية بحتة تقتصر على الأطباء المرخص لهم بعد تقييم الحالة الصحية، وإجراء الفحوصات اللازمة.
تصفح أيضًا: التنقيب في «موقع حلِّيت» يكشف عن شواهد أثرية لأقدم مناجم الذهب بالجزيرة العربية
ويؤكد أن تجاوز هذا الدور يمثل مخالفة مهنية قد تترتب عليها عواقب صحية وقانونية جسيمة، خصوصاً عندما يحصل بعض المتدربين على الهرمونات، أو يبدأون استخدامها بناءً على نصائح غير طبية، أو تجارب شخصية متداولة، دون إدراك للمضاعفات المحتملة، أو الحاجة الفعلية للعلاج.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
يؤكد الأستاذ الدكتور عبد المعين الأغا أن التحذيرات من الاستخدام العشوائي لهرمون التستوستيرون لا تستند إلى الخبرة السريرية فحسب، بل تدعمها نتائج دراسات وأبحاث علمية واسعة أُجريت في عدد من الدول، خلصت إلى أن استخدام الهرمون لدى الأشخاص الذين لا يعانون من نقص مثبت طبياً قد يرتبط بمخاطر صحية متعددة.
ويشير إلى أن دراسة كبيرة نُشرت في مجلة «New England Journal of Medicine»، وأُجريت في الولايات المتحدة على رجال كبار في السن يعانون من محدودية الحركة، أوقفت العلاج مبكراً بعد ملاحظة ارتفاع معدل بعض الأحداث القلبية الوعائية لدى المشاركين الذين تلقوا جرعات من التستوستيرون مقارنة بغيرهم، وهو ما أثار مزيداً من النقاش العلمي حول ضرورة الحذر في وصف الهرمون خارج الحالات الطبية الواضحة.
كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت في مجلة «JAMA»، واعتمدت على بيانات عدد كبير من الرجال الذين خضعوا لفحوصات وعلاجات في الولايات المتحدة، وجود ارتباط بين العلاج بالتستوستيرون وزيادة مخاطر بعض المضاعفات القلبية الوعائية لدى فئات معينة من المرضى، مؤكدة أهمية التقييم الطبي الدقيق قبل وصف العلاج.
ويضيف أن مراجعات علمية نُشرت في مجلة «The Lancet Diabetes & Endocrinology» أكدت أن العلاج بالتستوستيرون يجب أن يقتصر على الرجال الذين لديهم نقص حقيقي ومثبت في الهرمون، مع وجود أعراض واضحة، وأن استخدامه بهدف تحسين الأداء الرياضي، أو زيادة الكتلة العضلية لدى الأشخاص الأصحاء لا تدعمه الأدلة الطبية، وقد يؤدي إلى اختلالات هرمونية، ومضاعفات مختلفة.
ويبين أن دراسات أُجريت في الولايات المتحدة وأوروبا تناولت كذلك تأثير الاستخدام غير المشروع للستيرويدات والهرمونات البنائية بين الرياضيين، وأظهرت ارتباطها باضطرابات في الخصوبة، وتغيرات في المزاج، والسلوك، وزيادة مخاطر أمراض القلب، والكبد، إضافة إلى التأثيرات النفسية الناتجة عن الاعتماد على هذه المواد لتحقيق نتائج بدنية سريعة.
• العضلات لا تُبنى بالحقن. ويؤكد الأستاذ الدكتور عبد المعين الأغا أن المشكلة الأساسية ليست في هرمون التستوستيرون نفسه، فهو علاج طبي مهم عند الحاجة إليه، وتحت إشراف المختصين، وإنما في استخدامه خارج الإطار الطبي، وتحويله من دواء علاجي إلى وسيلة تجميلية، أو رياضية، دون إدراك دقيق لآثاره على الجسم. ويشدد على أن الطب الحديث لا يعارض استخدام الهرمونات عندما تكون هناك حاجة حقيقية لها، لكنه يرفض تماماً التعامل معها كحلول سريعة، أو مكملات رياضية، لأن جسم الإنسان منظومة دقيقة، وأي تدخل هرموني غير محسوب قد يؤدي إلى اختلالات يصعب تداركها.
ويضيف أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الشباب هي أن العضلات القوية لا تُبنى بالحقن، وإنما بالصبر، والانضباط، والبرنامج التدريبي الصحيح، وأن النتائج المستدامة تحتاج إلى وقت، وجهد، لكنها تحافظ على صحة الإنسان، وتمنحه فوائد تمتد لسنوات طويلة.
• ثلاث ركائز لبناء العضلات بطريقة آمنة. يشير الأستاذ الدكتور الأغا إلى أن المملكة العربية السعودية تولي سلامة المجتمع أولوية كبيرة، ولذلك تخضع الأدوية الهرمونية لأنظمة رقابية دقيقة، ولا تُصرف إلا بوصفات طبية معتمدة، حفاظاً على صحة الأفراد، ومنع إساءة استخدامها. كما يؤكد أن بناء العضلات بطريقة صحية ومستدامة يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسة: برنامج تدريبي علمي متدرج، وتغذية متوازنة تلبي احتياجات الجسم، ونوم صحي يمنح العضلات فرصة للتعافي، والنمو، أما الحلول السريعة التي تَعِدُ بنتائج مذهلة خلال فترة قصيرة، فغالباً ما تخفي وراءها مخاطر صحية لا يدركها كثيرون إلا بعد فوات الأوان.
ويختتم الأستاذ الدكتور عبد المعين الأغا حديثه بالتأكيد على أن حماية مرتادي الأندية الرياضية مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الجهات الصحية، والرقابية، وإدارات الأندية، والمدربين، ووسائل الإعلام، والأسر، لنشر الثقافة الصحية الصحيحة، ومواجهة المعلومات المضللة. ويشدد على أن هرمون التستوستيرون دواء علاجي مهم عند الحاجة إليه طبياً، وليس طريقاً مختصراً نحو العضلات، أو اللياقة، فالنجاح الحقيقي في الرياضة يبدأ بالوعي، ويستمر بالالتزام، ويُبنى على أسس علمية تحافظ على صحة الإنسان قبل أي شيء آخر.
وتؤكد الحقائق العلمية أن الاستخدام غير الطبي لهرمون التستوستيرون قد يحمل مخاطر تمتد إلى الخصوبة، والقلب، والصحة النفسية، وأن الاستفادة منه تظل مرتبطة بالحاجة الطبية الحقيقية، وتحت إشراف الطبيب المختص. وفي ظل الانتشار الواسع للمعلومات المضللة، تبقى الرسالة الأهم أن بناء الجسم السليم لا يتحقق بالحلول السريعة، بل بالتدريب العلمي، والتغذية المتوازنة، ونمط الحياة الصحي، فالصحة هي الاستثمار الحقيقي، وهي الأساس الذي تُبنى عليه القوة، واللياقة، والإنجاز.
* استشاري طب المجتمع




