الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةمرضى السكري وضعف السمع... علاقة أقوى مما يُظَن

مرضى السكري وضعف السمع… علاقة أقوى مما يُظَن

أظهرت مراجعة طبية حديثة أن ربع البالغين المصابين بمرض السكري من النوع الثاني (Type 2 Diabetes) يعانون من ضعف السمع. وسلطت هذه المراجعة الحديثة الضوء على ضعف السمع كمضاعفة خفية، ولكنها شائعة لمرض السكري.

ويرى مؤلفو الدراسة ضرورة إدراج فحوصات السمع الروتينية ضمن الرعاية المنتظمة لمرضى السكري، للمساعدة في الكشف المبكر عن مشكلات السمع المحتملة.

مضاعفات السكري «المخفية»

ومن المعروف أن مرض السكري يزيد من خطر حدوث مضاعفات في جميع أنحاء الجسم، وقد يؤثر على العينين والكليتين والأعصاب. ولذا، يخضع مرضى السكري لمراقبة دورية للكشف عن حالات مثل: اعتلال الشبكية السكري (Diabetic Retinopathy)، وأمراض الكلى، واعتلال الأعصاب (Neuropathy). وتساعد هذه الرعاية المستمرة على الوقاية من مشكلات خطيرة، مثل فقدان البصر، وتلف الكلى، وتلف الأعصاب.

ومع ذلك، تشير هذه المراجعة الحديثة إلى أن فقدان السمع قد يكون من المضاعفات غير المُشخَّصة لدى مرضى السكري من النوع الثاني؛ حيث يجهل كثيرون أن هذه الحالة قد تؤثر على السمع.

ووفق ما نُشر ضمن عدد من مجلة «بحوث ومراجعات حول استقلاب مرض السكري» (Diabetes Metabolism Research and Reviews)، حلل باحثون من جامعة كوينزلاند بأستراليا بيانات من 29 دراسة نُشرت بين عامَي 2000 و2025، شملت أكثر من 17 ألف بالغ، معظمهم مصابون بمرض السكري من النوع الثاني أو مقدمات السكري.

وأشارت نتائجهم إلى أن البالغين المصابين بمرض السكري من النوع الثاني أكثر عرضة للإصابة بضعف سمع «ذي دلالة إكلينيكية» (Clinically Significant) بأكثر من الضعف مقارنة بغير المصابين بالسكري، ما يجعل فقدان السمع من مضاعفات مرض السكري «الخفية»، وأن ثمة قلة اهتمام بفقدان السمع كمضاعفة محتملة لداء السكري.

ووجد الباحثون أن العلاقة بين مرض السكري وفقدان السمع كانت أقوى لدى البالغين الذين أعمارهم أقل من 60 سنة؛ حيث كان احتمال إصابتهم بفقدان سمع متوسط إلى شديد أكبر بثلاث مرات تقريباً من الأشخاص في العمر نفسه غير المصابين بالسكري. كما لاحظوا ازدياد خطر الإصابة بضعف السمع لدى من يعانون من مرض السكري منذ أقل من 10 سنوات، ما يشير إلى أن مشكلات السمع قد تظهر في سن أصغر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقال الباحثون: «واحد من كل 4 بالغين مصابين بمرض السكري يعاني من ضعف سمع حاد، لدرجة تعيقهم عن إجراء المحادثات اليومية، وهو النوع الذي يستدعي استخدام المعينات السمعية. ومع ذلك، لا يُدرج هذا الأمر ضمن قائمة الفحوصات الطبية الروتينية. وهذا يُشابه في حجمه عبء مضاعفات أخرى، مثل اعتلال الشبكية أو اعتلال الكلى، والتي تُجرى لها فحوصات روتينية، بينما لا يُجرى فحص السمع».

وأضافوا: «لا ينبغي لمرضى السكري الانتظار حتى يتفاقم ضعف السمع أو افتراض أنه مجرد ضعف سمع متوقع مع التقدم في السن؛ بل من المفيد لهم استشارة فريق الرعاية الصحية الخاص بهم بشأن فحص السمع؛ خصوصاً إذا كانوا دون الستين من العمر أو مصابين بالسكري لفترة قصيرة نسبياً».

تفسيرات طبية

وعلى الرغم من أن المراجعة لم تتناول الآليات البيولوجية المحتملة وراء هذه العلاقة، أي: لماذا قد يؤثر داء السكري على السمع؟ فإن بحوثاً سابقة قد أشارت إلى تفسيرات عدة محتملة.

وتذكر المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أن فقدان السمع أكثر شيوعاً بمرتين لدى مرضى السكري مقارنة بغير المصابين به، كما أن الأشخاص المصابين بمقدمات السكري لديهم معدل فقدان سمع أعلى بنسبة 30 في المائة مقارنة بمنْ هم في أعمارهم نفسها وليس لديهم مرض السكري.

وكما هي الحال مع اعتلال شبكية العين لدى مرضى السكري أو اعتلال الأعصاب المصاحب لمرض السكري، فإن ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم بشكل مستمر قد يُلحق الضرر بالأوعية الدموية الدقيقة والبنى الحساسة للأذن الداخلية، بالإضافة إلى تقليل تدفق الدم إلى الأذن، ما قد يؤثر على السمع بمرور الوقت. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحوث لفهم كيفية تأثير مرض السكري على صحة السمع بدقة.

وأوضح الباحثون: «يُلحق ارتفاع مستوى الغلوكوز في الدم المزمن، الضرر بالأوعية الدموية الدقيقة والأعصاب التي تغذي القوقعة (الأذن الداخلية)، تماماً كما يُلحق الضرر بالشبكية والكليتين والأعصاب الطرفية. ويشمل ذلك اعتلال الأوعية الدموية الدقيقة (تلف الأوعية الدموية الصغيرة)، والإجهاد التأكسدي، واعتلال الأعصاب الذي يؤثر على مسارات العصب السمعي. ومع مرور الوقت، يُضعف هذا التلف التراكمي في القوقعة، قدرة الأذن على سماع الصوت؛ لا سيما عند الترددات العالية. وقد يتطور الأمر دون أن يلاحظه أحد؛ إذ غالباً لا يلاحظ الناس التدهور التدريجي في السمع إلا عندما يبدأ في التأثير على تواصلهم اليومي. وعادة ما تزداد احتمالية حدوث المضاعفات كلماً طالت مدة إصابة الشخص بمرض السكري».

الكشف المبكر

قد يهمك أيضًا: التدفقات الاستثمارية الأجنبية في السعودية تصل إلى 7 مليارات دولار خلال الربع الأول

وأضاف الباحثون ما مُلخصه أنه بالإضافة إلى طول مدة الإصابة بالسكري، يُعد التقدم في السن أيضاً عامل خطر شائعاً لفقدان السمع. ولكن هذه المراجعة الطبية الحديثة وجدت أن خطر فقدان السمع لا يزال قائماً بين أولئك الذين يعانون من مرض السكري لأقل من 10 سنوات، وكذلك لدى منْ هم دون سن 60 سنة من العمر. ويشير هذا إلى أن تغيرات السمع قد تبدأ في وقت أبكر مما كان يُعتقد سابقاً، وقد يكون من المستحسن أيضاً إجراء الفحص في وقت مبكر.

ولذلك، اقترح الباحثون أن تُعتبر فحوصات السمع الروتينية جزءاً من الرعاية القياسية لمرضى السكري، للمساعدة في الكشف عن فقدان السمع مبكراً، وتمكين المرضى من الحصول على الدعم في وقت أقرب. وتُعد فحوصات السمع القياسية بسيطة نسبياً، وغير جراحية، وغير مكلفة. ويمكن أن يُتيح الكشف المبكر عن فقدان السمع للأشخاص الحصول على تدخلات مثل المعينات السمعية في وقت مبكر. وهذا بدوره قد يُساعد في تقليل صعوبات التواصل والعزلة الاجتماعية وتأثيرها على الحياة اليومية.

كما أن تمكين الكشف المبكر عن فقدان السمع لدى مرضى السكري قد يُحفزهم على مراقبة مستويات السكر في الدم وإدارتها بشكل أكثر تواتراً، وملاحظتهم العلامات التحذيرية المبكرة لفقدان السمع المرتبط بمرض السكري التي يجب الانتباه إليها، وهذا كله مما قد يمنع مزيداً من فقدان السمع.

وتشمل العلامات المبكرة لضعف السمع صعوبة متابعة المحادثات في البيئات الصاخبة، وطلب إعادة الكلام بشكل متكرر، ورفع مستوى صوت التلفاز أو الهاتف أكثر من المعتاد، أو الشعور بمزيد من الإرهاق بعد المحادثات نتيجة الجهد الإضافي المبذول في الاستماع.

ونظراً لأن فقدان السمع يميل إلى التطور تدريجياً، غالباً ما يتكيف الناس مع هذا الأمر ولا يتنبهون ولا يُدركون وجود مشكلة تتفاقم بشكل متطور ومتواصل طوال الوقت لديهم.

ولذا إذا لاحظ مريض السكري أياً من هذه التغيرات، فعليه إجراء فحص سمعي باستخدام قياس السمع النقي، وهو فحص بسيط ومنخفض التكلفة، ويمكنه الكشف عن فقدان السمع ذي الأهمية السريرية قبل أن يصبح مُعيقاً.

تأثيرات لضعف السمع تتطلب الوقاية والمعالجة

إن فقدان السمع المرتبط بعوامل مزمنة، مثل التقدم في السن أو مرض السكري وضغط الدم، يحصل بشكل «تدريجي»، ويطول بالضرر كفاءة عمل خلايا الشعر الحسية (Sensory Hair Cells) في الأذن الداخلية، نتيجة تناقص عددها، بموت كثير منها. وهي خلايا متخصصة مسؤولة بالأساس عن تشفير الصوت وتحويله إلى إشارات عصبية. ومن أهم خصائص هذه الخلايا أنها -على عكس الخلايا الأخرى في جميع أنحاء الجسم- لا يمكن لها أن تتجدد.وإضافة إلى التقدم في السن والتعرض المزمن للضوضاء، فإن هناك عوامل أخرى مهمة ذات صلة بسلامة الأوعية الدموية المُغذية للأذن الداخلية؛ حيث توجد تلك الخلايا الحساسة، مثل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكري، والتدخين، وارتفاع ضغط الدم، التي يمكن أن تساهم جميعها في إصابة الأوعية الدموية الدقيقة (Microvascular Injury) في قوقعة الأذن الداخلية.

وتشير الإحصائيات بالولايات المتحدة إلى أن واحداً من بين كل 5 أشخاص، يعانون من ضعف السمع. وأظهرت الدراسات أن ثمة علاقة قوية بين فقدان السمع من جهة، وبين ضعف قدرات التواصل والتدهور المعرفي (Cognitive Decline) والخرف (Dementia)، من جهة أخرى.

وكانت لجنة «لانسيت» المعنية بالخرف قد خلصت في عام 2020 إلى أن فقدان السمع في منتصف العمر وما بعده، كان أكبر عامل خطورة (للإصابة بالخرف) يمكن تعديله (Modifiable Risk Factor)، وهو ما يمثل 8 في المائة من جميع حالات الخرف.

وتشمل الآليات الرئيسية التي من خلالها يُفترض أن فقدان السمع يزيد من مخاطر التدهور المعرفي والخرف، تلك الآثار الضارة لفقدان السمع في التسبب بضعف التشفير السمعي للصوت، وبالتالي على الشحن المعرفي في الذهن، وضمور الدماغ، والعزلة الاجتماعية.

وغالباً لا يدرك الأشخاص الذين يعانون من ضعف السمع الخفيف، وجود ضعف السمع لديهم. وبدلاً من ذلك يعتقدون أن صعوبات السمع لديهم تُعزَى إلى أسباب خارجية (على سبيل المثال، عدم تحدث الآخرين بوضوح أو وجود الضوضاء في الخلفية). ولكن في المستويات الأعلى من فقدان السمع، قد يلاحظ الأشخاص بشكل متزايد أن ثمة مشكلة في وضوح الكلام حتى عند الوجود في البيئات الهادئة.

كما يمكن أن يجدوا أن المحادثات في البيئات الصاخبة هي بالفعل مرهقة لهم، وذلك نظراً لازدياد الجهد الذهني الذي على دماغهم بذله لمعالجة إشارات الكلام غير الواضحة، وذلك نتيجة عدم معالجتها في قوقعة الأذن بشكل صحيح. وفي كثير من الأحيان، يكون أفراد أسرة الشخص، هم أكثر من غيرهم إدراكاً أن الشخص لديه صعوبات في السمع.

ومع ذلك، لا يزال معدل انتشار استخدام المُعِينة السمعية أو زراعة القوقعة الصناعية، بين الأشخاص الذين يمكنهم أن يستفيدوا من أي منهما (كما هو محدد على أساس نتائج فحص سمعهم) منخفضاً للغاية.

ويبلغ معدل انتشار استخدام المعينات السمعية بين الأشخاص الذين يعانون من ضعف السمع في الولايات المتحدة أقل من 20 في المائة، ومعدل انتشار زراعة القوقعة الصناعية أقل من 5 في المائة.

وأسباب انخفاض معدل الاعتماد على هذه الاستراتيجيات العلاجية، هي بالفعل متعددة العوامل. وتشمل عوامل مثل الوصمة (Stigma) أي الشعور بأن تركيب السماعة شيء معيب، وضعف إمكانية الوصول إلى تلقي معالجات التدخلات السمعية والقدرة على تحمل تكاليفها، وعدم قدرة تقنيات السمع على التعويض بشكل كامل عن تدهور التشفير المحيطي للصوت الناجم عن فقدان السمع المرتبط بالسن.

* استشارية في الباطنية

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt