كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن هجمات على سفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة من دون تفويض القيادة العليا وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب. وقال تقرير الصحيفة إن جهود الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب تعثرت، في وقت كانت فيه القيادة الإيرانية تناقش إمكان المضي في التسوية، بعدما أقدمت مجموعة من المتشددين الإيرانيين على تنفيذ هجمات ضد سفن تجارية في مضيق هرمز من دون الحصول على موافقة القيادة السياسية والعسكرية العليا.
وبحسب التحقيق، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل يوليو (تموز)، لم تكن جزءاً من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، لكنها أدت عملياً إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.
يستند تحقيق الصحيفة إلى مقابلات مع مسؤولين إيرانيين ومصادر مطلعة على ما جرى داخل دوائر الحكم، ويشير إلى أن عدداً من كبار المسؤولين فوجئوا بالهجمات على السفن، التي وقعت في وقت كانت فيه قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة.
وتكشف المعلومات أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبّر عن غضبه بعد الهجمات، وواجه قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي بشأن المسؤولية عنها. ووفق الرواية التي نقلها التحقيق، نفى وحيدي أنه أصدر أمراً بتنفيذ تلك العمليات.وبدلاً من أن تكون الهجمات جزءاً من استراتيجية موحدة للدولة، خلص تحقيق داخلي إيراني إلى أن مجموعة مرتبطة بشخصية نافذة سابقة في أجهزة «الحرس الثوري» تقف وراء تنفيذها. وتشير المعلومات إلى أن التحقيق قاد إلى حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو من أبرز الشخصيات المرتبطة بالتيار المتشدد داخل المؤسسة الأمنية.
لقطة من مقطع فيديو لتوقيع ترمب مذكرة التفاهم مع إيران في فرساي بجنوب باريس يوم 18 يونيو (أ.ف.ب)
تكتسب هذه المعلومات أهميتها من كونها تأتي في وقت كانت فيه واشنطن وطهران قد قطعتا شوطاً في مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز واستئناف محادثات أكثر شمولاً حول البرنامج النووي الإيراني.
وكانت مذكرة تفاهم جرى التوصل إليها في يونيو (حزيران)، قد وضعت إطاراً لوقف العمليات العسكرية وفتح المضيق وبدء مفاوضات بشأن الملف النووي والعقوبات. لكن الترتيبات المتعلقة بـ«هرمز» ظلت من أكثر نقاط الخلاف حساسية بين الطرفين. وتشير تقارير سابقة إلى أن إيران كانت تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذ كبير على حركة الملاحة في المضيق، بينما رفضت واشنطن أي صيغة يمكن أن تمنح طهران سيطرة فعلية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. المتشددون يفرضون أجندتهم
نوصي بقراءة: قطر: محادثات عُمان وإيران بشأن «هرمز» بلغت مرحلة متقدمة
تظهر الرواية التي تقدمها «نيويورك تايمز» أن الخلاف لم يكن بين واشنطن وطهران فقط، بل امتد إلى داخل النظام الإيراني نفسه؛ ففي الوقت الذي كان فيه مسؤولون مدنيون ودبلوماسيون يبحثون عن صيغة لإنهاء الحرب، كانت شخصيات وفصائل متشددة ترى في أي اتفاق مع إدارة ترمب تنازلاً غير مقبول، خصوصاً إذا أدى إلى الحد من نفوذ إيران في مضيق هرمز أو فرض قيود على قدراتها العسكرية والنووية.
وقد سبق أن ظهرت داخل إيران اعتراضات علنية على مسار التفاوض؛ إذ انتقد سياسيون متشددون إدراج البرنامج النووي في المحادثات، وطالبوا المسؤولين بالالتزام بما اعتبروه الخطوط الحمراء للقيادة العليا. وفي المقابل، أيد غالبية أعضاء البرلمان الإيراني فريق التفاوض، في مؤشر على حجم الانقسام الداخلي.
أصبحت السيطرة على مضيق هرمز جوهر الصراع؛ فبعد اندلاع الحرب، عطلت إيران حركة الملاحة وفرضت قيوداً على السفن، بينما ردت الولايات المتحدة بحصار بحري وإجراءات عسكرية لحماية حركة الشحن. وبحسب تحقيق «نيويورك تايمز»، فإن الهجمات التي نفذها المتشددون على السفن أدت إلى تقويض الترتيبات التي كانت تسمح تدريجياً بعودة بعض حركة الناقلات إلى المضيق، وأعادت قضية الملاحة إلى نقطة الصفر. كما عزز التصعيد موقف المتشددين داخل إيران، الذين يرون أن استخدام القوة والضغط على الملاحة يوفران لطهران ورقة تفاوضية أقوى من تقديم تنازلات للولايات المتحدة.
بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (أرشيفية- الرئاسة الإيرانية)
لا تكشف القصة فقط عن انهيار اتفاق محتمل، وإنما عن صعوبة تحديد الجهة التي تملك القرار الفعلي في إيران خلال الحرب؛ فبين القيادة السياسية و«الحرس الثوري» والتيارات المتشددة، يبدو أن المصالح والأهداف لم تعد متطابقة بالضرورة. وبينما قد يرى بعض المسؤولين أن تخفيف الحرب والضغوط الاقتصادية يمثل مصلحة لإيران، يرى آخرون أن استمرار المواجهة يمكن أن يحافظ على نفوذهم ويمنع أي تسوية يعدّونها تهديداً لموقعهم.
وهكذا، فإن فشل الاتفاق لم يكن نتيجة خلاف مباشر بين ترمب وطهران فحسب؛ بل نتيجة صراع داخلي على اتجاه السياسة الإيرانية نفسها. وقد يكون السؤال الأهم بالنسبة لأي جهود سلام مقبلة هو: من يملك القدرة الفعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه داخل إيران؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع استمرار أزمة مضيق هرمز، الذي أصبح ورقة ضغط عسكرية واقتصادية ودبلوماسية في آن واحد، وجعل أي اتفاق بين واشنطن وطهران رهناً ليس فقط بما يريده المفاوضون، وإنما أيضاً بما يستطيع المتشددون داخل النظام منعه أو إفشاله.




