شهد مضيق هرمز، يوم الأحد، حادثين لإصابة سفينتين، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد الضغوط على صادرات النفط الإيرانية بفعل الحصار البحري الأميركي على موانئ إيران.
وقُتل شخص وأصيب ثلاثة آخرون في ضربة استهدفت سفينة تجارية إيرانية قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز، في أحدث تطور يعكس تصاعد التوتر حول الممر المائي الحيوي. وأفادت السلطات الإيرانية بأن سفينة تجارية تعرضت للاستهداف نحو الساعة الخامسة صباحاً بالتوقيت المحلي، في المنطقة الواقعة بين جزيرة هنجام وساحل شيبدراز في جزيرة قشم. وقال محافظ قشم حسين أميرتيموري، وفق ما نقل عنه التلفزيون الرسمي ووكالة «تسنيم»، إن شخصاً قُتل وأصيب ثلاثة آخرون جراء الحادث.
ووصفت «تسنيم» المقذوف الذي أصاب السفينة بأنه «مجهول المصدر»، مشيرة إلى أن نوعه لم يتحدد بعد. وكانت تقارير قد أفادت بسماع انفجارات عدة خلال الليل في محيط قشم، أكبر جزر مضيق هرمز.
وبعد ساعات من هذا الحادث، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت بلاغاً عن تعرض سفينة لمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، مضيفة أن حريقاً اندلع على متنها عقب الهجوم، وأن السلطات المحلية وصلت إلى الموقع للمساعدة في إجلاء أفراد الطاقم.
ولم تحدد الهيئة موقع الحادث بدقة، كما لم يتضح على الفور حجم الأضرار أو الوضع النهائي لأفراد الطاقم أو الجهة المسؤولة عن الهجوم.
وتحول مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة بين طهران وواشنطن. وردت إيران على الهجمات بإغلاق المضيق وفرض قيود مشددة على حركة السفن، في حين فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية. وكانت هذه المنطقة تمر عبرها، قبل الحرب، نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتشترط طهران على السفن الراغبة في عبور المضيق الحصول على تصريح منها، كما تطلب من السفن استخدام مسار حددته بمحاذاة الساحل الإيراني في شمال المضيق، في حين تدرس فرض رسوم على الخدمات المقدمة للسفن.
ومع استمرار القيود والهجمات، أصبح أمن الملاحة في «هرمز» عاملاً رئيسياً في تحديد قدرة إيران ودول الخليج على تصدير النفط، وسط تداعيات تتجاوز المنطقة إلى أسواق الطاقة العالمية.
سفن تعبر مضيق هرمز في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
وتظهر أحدث بيانات تتبع حركة الناقلات أن تأثير الحصار لا يقتصر على حركة السفن، بل يمتد بصورة مباشرة إلى صادرات النفط الإيرانية؛ إذ قالت مؤسسة «تانكر تراكرز» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط إن مراجعة حركة الناقلات على مدى 60 يوماً حتى 12 سبتمبر (أيلول) أظهرت عدم عبور أي شحنة جديدة من النفط الخام الإيراني خط الحصار البحري الأميركي في المنطقة الفاصلة بين بحر عمان وبحر العرب.
وفي المقابل، واصلت ناقلات تحمل نفطاً من العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان عبور المنطقة، بمتوسط بلغ نحو 7.85 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها.
وفي بعض الأيام، ارتفعت الكميات بصورة كبيرة؛ إذ بلغت نحو 16.6 مليون برميل في 9 أغسطس (آب)، واقتربت من 14 مليون برميل في 25 أغسطس.
وقالت المؤسسة إن متوسط الحركة بلغ نحو خمس ناقلات يومياً تحمل النفط الخام من الدول العربية الست، في حين لم يعبر «حتى برميل واحد» من النفط الخام الإيراني الخط الذي تراقبه خلال فترة الستين يوماً.
وتتوافق هذه النتائج مع بيانات مؤسسات أخرى لتتبع الناقلات؛ إذ أفادت وكالة «رويترز» للأنباء في وقت سابق من سبتمبر، نقلاً عن بيانات «كبلر» و«فورتكسا» و«تانكر تراكرز»، بأن أي شحنة جديدة من النفط الخام الإيراني لم تتمكن منذ استئناف الحصار الأميركي في 14 يوليو (تموز) من عبور مضيق هرمز والتوجه إلى الصين.
في المقابل، لم يؤدِّ الحصار إلى وقف حركة صادرات النفط الخليجي، بل أظهرت بيانات «تانكر تراكرز» أن إجمالي النفط الذي عبر منطقة خط الحصار خلال الأيام السبعة الأخيرة تجاوز 10 ملايين برميل يومياً.
قد يهمك أيضًا: الأردن يعلن إسقاط 4 صواريخ أُطلقت من إيران
وتشير البيانات إلى أن جزءاً من هذه الصادرات، ولا سيما النفط العماني، لا يحتاج أصلاً إلى عبور مضيق هرمز للوصول إلى المياه المفتوحة.
كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن القوات الأميركية غيّرت خلال الستين يوماً الماضية مسارات نحو 100 سفينة تجارية في إطار العملية البحرية المعروفة باسم «الجدار الفولاذي»، مؤكدة أن أياً من السفن لم يعبر منطقة الحصار من دون إذن القوات الأميركية.
وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت الأسبوع الماضي إن العمليات البحرية الأميركية ساعدت في استعادة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى عبور أكثر من 9 ملايين برميل من النفط يومياً في المتوسط.
منصة تجريف عائمة وسفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز (أ.ب)
وفي الوقت الذي تواجه فيه طهران صعوبة في إخراج شحنات جديدة من النفط، تتراجع الكميات الإيرانية التي كانت قد نُقلت إلى خارج الخليج العربي قبل بدء الحصار.
وأفاد تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، استناداً إلى بيانات شركة «كبلر»، بتراجع حاد في مخزونات النفط الإيراني الموجودة على متن ناقلات في مياه بعيدة عن منطقة الخليج.
وقالت «كبلر» إن إيران لا تزال تحمّل كميات محدودة من النفط على ناقلات داخل الخليج، لكنها تبقى خلف خط الحصار. وبلغ متوسط عمليات التحميل في أغسطس نحو 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض نسبته 85 في المائة مقارنة بمتوسط الفترة بين فبراير وأبريل (نيسان).
في المقابل، لا تزال طهران تحصل على إيرادات من شحنات كانت قد غادرت المنطقة قبل استئناف الحصار وبقيت على متن ناقلات في مناطق بعيدة. وبحسب تقديرات «كبلر»، تراجعت هذه المخزونات من نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو إلى نحو 29 مليون برميل في أوائل سبتمبر.
وتشير التقديرات إلى تسليم نحو مليون برميل يومياً من هذه الكميات، معظمها إلى الصين. وإذا استمر هذا المعدل، فقد تنفد المخزونات المتاحة على الناقلات بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، في حين يمكن أن تستمر تسوية قيمة بعض الشحنات التي جرى تسليمها سابقاً حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول).
وتأتي هذه التطورات في وقت قدم فيه مسؤولون إيرانيون روايات متباينة بشأن قدرة البلاد على مواصلة بيع النفط. وقال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني أواخر أغسطس، إن إيران «لا تصدر نفطاً»، مشيراً إلى أن تراجع عائدات النفط والضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي بدأ ينعكس على قطاعات مختلفة من الاقتصاد.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد قال قبل ذلك بأيام إن النفط الذي كانت بلاده تبيعه في السابق «لا نستطيع بيعه الآن». لكن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، قدم رواية مختلفة، مؤكداً أن «بيع النفط لم يتوقف»، وأن عمليات تسليم النفط إلى العملاء في المياه البعيدة لا تزال مستمرة، وإن كانت الصادرات قد تراجعت.
وقال الوزير الأسبوع الماضي إن بيع النفط وتسليمه للعملاء يجري على مسافات تبعد آلاف الكيلومترات عن الخليج وبحر عُمان، من دون الكشف عن حجم هذه المبيعات.
وتظل الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وكانت طهران تعتمد قبل الحرب والحصار على شبكة من الناقلات المعروفة باسم «أسطول الظل»، إضافة إلى أساليب مختلفة لإخفاء منشأ الشحنات، لتصدير كميات كبيرة من النفط إلى مصافي التكرير الخاصة في الصين.
أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)
ويكمن الاختلاف الأساسي بين الحصار البحري الحالي والعقوبات النفطية الأميركية التي واجهتها إيران لسنوات، في أن العقوبات السابقة استهدفت بدرجة كبيرة قدرة طهران على بيع النفط، في حين يستهدف الحصار الحالي الطريق الذي تسلكه الشحنات للخروج من المنطقة. فخلال سنوات العقوبات تمكنت إيران من مواصلة تصدير كميات من النفط عبر شبكات معقدة للالتفاف على القيود، وإخفاء مصدر الشحنات واستخدام أسطول من الناقلات لتأمين وصولها إلى المشترين. أما في الوضع الراهن، فقد أصبحت المشكلة أكثر مباشرة؛ فحتى إذا تمكنت طهران من العثور على مشترين، فإن إخراج الشحنات الجديدة من منطقة الخليج وبحر عمان أصبح أكثر صعوبة بسبب الحصار البحري.
ومع استمرار تراجع المخزونات الإيرانية الموجودة خارج المنطقة، تتزايد الضغوط على قطاع النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والإيرادات للحكومة الإيرانية، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز نقطة مواجهة مفتوحة بين طهران وواشنطن، ومصدراً مستمراً للقلق بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.




