بات «النهر الصناعي العظيم» الذي شيده الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي قبل أكثر من 4 عقود، مهدداً بأخطار جمّة، على الرغم من أنه يعد شرياناً ضرورياً وحيوياً لليبيين كافة.
وكان الحديث عن تدشين هذا النهر في ليبيا يُثير بعض التندر لدى قطاعات متحفظة على فكرته، وتقلل من أهميتها، لكن الآن، وبعد مرور أكثر من 4 عقود، أثبتت التجربة راهناً أن تعطّل بعض مساراته في نقل المياه الجوفية من الجنوب إلى الشمال يهدد الليبيين بالعطش.
فنيون بجهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي (إدارة النهر الصناعي)
* عمال النهر يشتكون
خلال الأيام الماضية اختبر الليبيون أهمية هذا الشريان، لا سيما مع تعطّل العديد من آباره عن العمل، بعد أزمة انقطاع الكهرباء التي يعاني منها جُل المدن هذا الصيف، فضلاً عن شكاوى عماله وموظفيه من تراجع دخولهم مقارنة بحقبة القذافي، متمنين الموت لأنهم لا يستطيعون إطعام أطفالهم.
وعبّر ليبيون عديدون عن انزعاجهم وصدمتهم من شكاوى عمال النهر، التي نقلها نقيب موظفيه، أمين جعودة، وتحدث خلالها عن تدني مستوى معيشتهم، منتقداً السلطات الحاكمة في ليبيا.
وقال جعودة في حوار مع «تلفزيون المسار» المحلي، الخميس، إن «هناك عاملين في منظومة النهر يبيعون الخبز حتى يستطيعوا الإنفاق على أسرهم. نريد من السلطات أن تهتم بنا، فقد هرمنا ولا أحد يهتم بنا. نتمنى الموت حالياً، فنحن لا نستطيع أن نطعم أولادنا».
تعود فكرة النهر الصناعي التي دعمها معمر القذافي عندما اكتشفت شركات عالمية مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية (رويترز)
وأبدى جعودة حسرته على حقبة القذافي، قائلاً: «حال الموظفين في منظومة النهر كان أفضل في حقبة القذافي؛ لكنهم اليوم يتمنون الموت لأنهم لا يستطيعون إطعام أطفالهم».
ودخل محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، على خط الأزمة، وقال: «حين تصل معاناة موظفي النهر الصناعي لتمنّي الموت، فذلك يعني أن الليبيين قد يموتون عطشاً إذا استمر تخريب مصدر الحياة». وتابع متسائلاً في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك»: «إلى متى تساقون إلى الموت وأنتم تنظرون؟».
وقبل 44 عاماً من الآن، هتفت الجماهير الليبية التي أحاطت بالقذافي: «شق الصحراء، (الفاتح)… ثورة صناعية (الفاتح)»، وذلك عندما كان يعلن وسط حضور جماهيري عن تدشين «النهر الصناعي العظيم» عام 1984.
فنيون خلال عملية صيانة بمسار النهر الصناعي (إدارة النهر الصناعي)
تصفح أيضًا: «السويدي إليكتريك» السعودية تعزّز استثماراتها الصناعية لدعم منظومة الطاقة وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030»
وتعود فكرة النهر عندما اكتشفت شركات عالمية للتنقيب عن النفط عام 1953، مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية، وبعد سنوات من مجيء القذافي للحكم تبلورت الفكرة ليعلن في عام 1984 عن بدء تنفيذ المشروع لنقل المياه عبر أنابيب ضخمة تحت الأرض من عمق الصحراء.
ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على «النهر الصناعي» من التشكيلات المسلحة، وأصحاب «المصالح الفئوية»، فضلاً عن حدوث تعديات على مساره بإنشاء وصلات غير مشروعة للشرب أو لري الأراضي، ثم تعطل بعض مساراته مؤخراً بسبب انقطاع الكهرباء.
* مصدر رئيسي للمياه
يُعدّ النهر المصدر الرئيسي للمياه النقية بالنسبة لغالبية سكان ليبيا، كما يوصف بأنه «أضخم مشروع لنقل المياه الجوفية في العالم كله»، بتكلفة بلغت حينها 35 مليار دولار، حيث وفر منذ عام 1991 المياه لمناطق ليبيا، التي كانت في السابق تعتمد على محطات تحلية المياه، وعلى طبقات المياه الجوفية القريبة من الساحل.
وقال «جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي» إنه «رغم تكرار انقطاع الكهرباء، فإن موقعي (السرير) و(تازربو) في الجنوب الشرقي حافظا على إنتاج مليون متر مكعب يومياً من المياه»، وأوضح في تصريح صحافي، مساء الخميس، أن فرق التشغيل والصيانة تمكنت من المحافظة على معدل إنتاج المياه عند حدود مليون متر مكعب يومياً، رغم تعرض الحقلين لأكثر من 7 حالات انقطاع للتيار الكهربائي خلال شهر واحد.
فنيون خلال إجراء إصلاحات على أحد مسارات النهر الصناعي (جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي)
وتعرضت ليبيا للإطفاء التام مرتين خلال الأيام الماضية، بسبب ضعف في شبكة الكهرباء، ونقص في إمدادات الغاز. وتتنازع إدارة النهر إدارتان: الأولى في طرابلس غرباً، والثانية في بنغازي شرقاً. وسبق أن اشتكت إدارة النهر من «نقص التمويل»، وتتعدد مصادر تمويله، من بينها مساهمة شركة «البريقة» لتسويق النفط بقيمة 240 مليون دينار ليبي سنوياً، والتي تغطي 25 في المائة من ميزانية التشغيل والصيانة.
ودافع الجهاز عن الجهود الفنية لموظفيه، وقال إنها «أسهمت في ضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن والقرى، من خلال إدارة وتوجيه الإمدادات، بما يلبي مختلف الاستخدامات دون تسجيل أي نقص، مع المحافظة على سلامة منظومة نقل المياه، وعودة الكميات الطبيعية إلى جميع المدن والمناطق والخزانات».
ويتكون النهر من 1300 بئر يبلغ عمق أغلبها 500 متر، وتمتد الأنابيب في عمق الصحراء من الجنوب الشرقي والغربي إلى الشمال لنقل 6.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً إلى المدن الرئيسية الكبرى، مثل الزاوية وطرابلس وبنغازي وطبرق وسرت وأجدابيا.
فنيون داخل أنبوب النهر الصناعي أثناء عملية صيانة سابقة (إدارة النهر الصناعي)
وتعمل منظومة النهر الصناعي الممتدة في عمق الصحراء الليبية على استدامة مد المدن بالمياه، رغم الصعوبات الحياتية التي عبر عنها نقيب موظفي النهر بقوله: «هناك عمال مصابون بالسرطان لا يملكون نفقة علاجهم، وقد باعوا ممتلكاتهم من أجل البحث عن دواء».
وفي ظل المخاوف على المنظومة، حذر ليبيون عديدون، من بينهم محمود شمام، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الوسط الإعلامية، الذي نقلت عنه صفحات محسوبة على النظام السابق، على «فيسبوك»، أن النهر الصناعي «أحد أهم إنجازات جماهيرية القذافي؛ واليوم هذه المنظومة قد تنهار تحت وطأة الفساد».
وتضرر النهر من الانقسام الحكومي والسياسي في ليبيا، بحسب مسؤوليه، لكنهم شددوا على عدم تأثير ذلك على استدامة العمل، وضخ المياه لجميع الأنحاء.




