بعد أشهر من الاحتفاء بالمصري دانيال تامر، اللاعب المسيحي بمنتخب مصر للشباب، والتأكيد على أنه لا تمييز في الساحات الكروية، أعادت واقعة مثارة بشأن استبعاد الناشئ مكاري يونان من اختبارات قطاع الناشئين بنادي «الاتحاد السكندري» الجدل حول مسألة اختيار اللاعبين على أساس الدين.
وشكت أسرة مكاري من استبعاد ابنها من النجاح بالاختبارات بعد سؤاله عن اسمه، بينما نفى المدير الفني لفريق مواليد 2013 بالنادي، أحمد ساري، الذي باشر الاختبار، صحة الأمر، مؤكداً أنه لم يمس ديانته إطلاقاً.
لكن وزارة الشباب والرياضة أكدت، في بيان، صدر، مساء الأربعاء، بعد تحقيقات، ثبوت مخالفة مدرب «الاتحاد»، وطالبت النادي الشهير بشمال البلاد بالتحقيق مع ساري وتوقيع الجزاء المناسب بحقه.
وقال مستشار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، نجيب جبرائيل، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما حدث يخالف نهج الرئيس عبد الفتاح السيسي الحريص على المواطنة، لكنه يرى في الوقت ذاته أن الواقعة «ليست فردية»، وأن التحقيقات الجارية «قد تُرسي قواعد جديدة تضمن المساواة وعدم التمييز، والاعتماد الكلي على الكفاءة في اختيار المواهب الرياضية».
وقالت وزارة الشباب والرياضة: «تم فحص ما أُثير حول شكوى والدة اللاعب مكاري يونان بشأن استبعاده من اختبارات كرة القدم بنادي الاتحاد السكندري بسبب اسمه، وشُكِّلت لجنة لتقصي حقيقة الواقعة».
وأضافت الوزارة أنها انتهت إلى «ثبوت ارتكاب المدرب المختص تلك المخالفة»، مطالبة نادي «الاتحاد» بتوقيع الجزاء المناسب بحقه خلال 48 ساعة؛ «تأكيداً لنهج الوزارة في الشفافية والمساءلة، وصوناً لحقوق جميع أبناء الوطن دون تمييز».
وأعرب جبرائيل في حديث لـ«الشرق الأوسط» عن «استيائه الشديد»، معتبراً أن أزمة الطفل مكاري «كشفت عن تغلغل للفكر المتزمت داخل الأوساط الرياضية».
وأكد أن ما حدث مخالف لتوجيهات السيسي، مشيراً إلى تعليمات صدرت قبل نحو عشرة أيام خلال اجتماع الرئيس بالمنتخب المصري لكرة القدم عقب عودته من كأس العالم، وتنص على ضرورة أن يكون اختيار اللاعبين قائماً على أساس التجرد وكشف المهارات فقط.
وقال جبرائيل إن المشكلة لا تكمن في حالة الطفل مكاري وحده؛ إذ إنه أُبلغ بحالات مماثلة رفض أصحابها الإفصاح عن أسمائهم أو أنديتهم.
نوصي بقراءة: كيف يضيّق الذكاء الاصطناعي فجوة التخطيط والتشغيل في مصافي النفط؟
الطفل مكاري يونان مستعرضاً مهاراته الكروية (صفحة والدته على فيسبوك)
وقبل قرار وزارة الشباب والرياضة، قال المدرب أحمد ساري، في بيان، إن اللاعب لفت انتباهه فنياً خلال الاختبارات فيما يعرف بمرحلة «اللقطة الأولى»، ولذلك استدعاه لمعرفة اسمه حتى يتمكن من متابعته إذا كرر الأداء المميز.
وأشار إلى أنه عندما أخبره اللاعب بأن اسمه مكاري، قال له على سبيل المزاح: «اسمك صعب عليا يا عم»، ثم استكمل الاختبارات بصورة طبيعية، نافياً تماماً استخدام عبارة «الاسم ده ما ينفعش عندنا»، بحسب ما قالت والدة اللاعب في شكواها التي نشرتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأعادت مواقع وصحف محلية نشرها.
وقال إن اللجنة الفنية لم تختر اللاعب ضمن القائمة النهائية وفقاً لمعايير فنية فقط، مشيراً إلى أن حياته الرياضية شهدت العمل واللعب مع عدد كبير من اللاعبين المسيحيين، وأن ناديه «لم يعرف يوماً التمييز بين أبنائه».
وفتحت الواقعة ملف ديانة اللاعبين. وفي 21 يوليو (تموز) الحالي، تحدث رجل الأعمال المسيحي نجيب ساويرس عن واقعة مزعومة بشأن استبعاد لاعب مسيحي من أحد الأندية، قائلاً عبر حسابه بمنصة «إكس»: «النادي ليس ملكه، وحل الأزمة لا يأتي بتغيير المدرب، ولكن بتغيير الثقافة وتعليم ثقافة قبول الآخر».
وأواخر يونيو (حزيران) الماضي، أكد الكاتب إبراهيم عيسي في مقطع مصور بثّه عبر قناته بـ«يوتيوب» أن متابعته لمباريات كأس العالم التي انتهت قبل أيام تكشف عن حجم التنوع الديني والثقافي داخل المنتخبات الأوروبية والأميركية، مع وجود أعداد كبيرة من اللاعبين المسلمين في معظم هذه المنتخبات.
وأضاف: «المشهد يختلف في مصر بصورة لافتة مع غياب اللاعبين المسيحيين عن صفوف المنتخب الوطني، بل وندرة وجودهم أيضاً داخل الأندية المصرية باستثناء هاني رمزي (لاعب دولي سابق)»، مرجعاً ذلك إلى «سيطرة الفكر السلفي والإخواني على قطاعات الناشئين في الأندية ومراكز الشباب والأكاديميات الرياضية».
واتفق معه جبرائيل الذي قال: «هناك أندية عديدة بالدرجة الأولى تخلو تماماً من أي لاعب قبطي»، مشيراً إلى أن ذلك «لا يعكس توجهات الدولة المصرية بقيادة الرئيس السيسي التي ترسي قواعد المواطنة، من خلال زيارات الكاتدرائية في الأعياد ورأس العام الجديد، وإصدار قانون بناء وترميم الكنائس، وتعيين المستشار بولس فهمي رئيساً للمحكمة الدستورية العليا كأرفع منصب قضائي».
ورغم الحديث عن خلو المنتخبات المصرية من لاعبين مسيحيين، كشف فوز منتخب مصر للناشئين على نظيره التونسي بهدف مقابل لا شيء في تصفيات شمال أفريقيا (أوناف) المؤهلة لكأس الأمم الأفريقية تحت 17 سنة، في مارس (آذار) الماضي، عن النجم دانيال تامر الذي تُوج وقتها بجائزة أفضل لاعب في المباراة بعد أداء لافت وتسجيل الهدف الذي حسم اللقاء لصالح الفريق المصري.
ووقتها علق النجم المصري هاني رمزي، في أحد البرامج المتلفزة، قائلاً إن الكفاءة والاجتهاد هما المعيار الوحيد للانضمام لمنتخب مصر، مشدداً على أنه «لا توجد حاجة اسمها مسلم ومسيحي» في كرة القدم، مشيراً إلى أن انضمام اللاعبين يرجع لمدى جاهزيتهم الفنية وإمكانياتهم، وليس لديانتهم.




