الرئيسيةالرياضةكيف ابتلعت الصراعات السياسية متعة كأس العالم؟

كيف ابتلعت الصراعات السياسية متعة كأس العالم؟

كان كأس العالم، لعقود طويلة، المهرب الأكثر جمالًا من السياسة؛ تسعون دقيقة ينسى خلالها الناس خلافاتهم، ويصبح العالم منقسمًا فقط بين من يسجل ومن يستقبل الأهداف.

لكن نسخة 2026 بدت مختلفة؛ فلم تعد السياسة ضيفًا عابرًا على البطولة، بل أصبحت بطلًا يفرض حضوره في كل مباراة، وكل لقطة، وكل نقاش يدور على المدرجات أو منصات التواصل الاجتماعي.

بين حسابات الهوية المعقدة، والحنين الجارف إلى الماضي، وتجارب المهاجرين، يبدو أن كل تفصيلة في هذه البطولة باتت محاصرة بسياقات سياسية ثقيلة تسرق من الساحرة المستديرة متعتها الخالصة.

كثيرون منا يقيسون مراحل حياتهم ببطولات كأس العالم؛ الطفولة، المراهقة، والجامعة.. كل بطولة تمثل فصلًا من فصول العمر، وترتبط بلحظات عاطفية لا تُنسى.

لا أحد ينسى رقصة روجيه ميلا حول الراية الركنية حين قاد الكاميرون كأول منتخب إفريقي يبلغ ربع النهائي عام 1990، أو هدف روبرتو باجيو القاتل الذي أقصى نيجيريا في 1994، أو حتى نطحة زين الدين زيدان الشهيرة في نهائي 2006.

كانت تلك أحداثًا رياضية بحتة، حفرت في الذاكرة؛ لكن النسخة الحالية من كأس العالم بدت مختلفة تمامًا منذ يومها الأول.

لم يعد تشجيع المنتخبات أمرًا بسيطًا، بل تحول إلى ما يشبه “حسابات الهوية”، نحن نشجع المنتخبات الإفريقية والعربية بحماس، وقد استمتعنا في هذه النسخة بظهور بطولي لمنتخبات مثل الرأس الأخضر والكونغو الديمقراطية.

ولكن بمجرد خروج هذه المنتخبات، تبدأ بوصلة التشجيع في التخبط، نتجه لدعم منتخبات تضم لاعبين من أصول إفريقية أو عربية، وتصبح اختياراتنا مبنية على خلفيات سياسية وتاريخية.

نفضل فرنسا، رغم تاريخها الاستعماري، لأن تشكيلتها تعج باللاعبين ذوي الأصول الإفريقية، ونتعاطف معها أكثر من منتخبات أخرى لمجرد أنها تمثل جزءًا من هويتنا المشتتة.

هؤلاء اللاعبون لم يعودوا مجرد نجوم نستمتع بمهاراتهم، بل أصبحوا تجسيدًا حيًا لإحباطاتنا وطموحاتنا السياسية.

أكثر من أي وقت مضى، تحمل هذه البطولة أثقالًا سياسية لا تُحتمل؛ الأجواء مشحونة بالغضب تجاه تدخلات سياسية فجة، كتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلغاء بطاقة حمراء تلقاها لاعب أمريكي، وهو ما يعتبر تدنيسًا لنزاهة البطولة.

تصفح أيضًا: سبب إلغاء هدف مصر الثاني ضد الأرجنتين في كأس العالم

يضاف إلى ذلك غضب متصاعد تجاه الفيفا التي يراها البعض مؤسسة غارقة في التخبط، ناهيك عن الخطابات السياسية المعادية للمهاجرين التي تجتاح أمريكا وأوروبا وتلقي بظلالها على الملاعب.

في هذا السياق، لم تعد الهوية مسألة ترفيهية؛ ظهور زوجة اللاعب الفرنسي عثمان ديمبيلي بحجابها أصبح رسالة رفض صامتة لـ “الإسلاموفوبيا”.

كيليان مبابي لم يعد يكتفي باللعب، بل يضطر لصد هجمات عنصرية من سياسيين، وفي إنجلترا، يحمل اللاعبون السمر آمال أمة تشهد تيارًا سياسيًا يمينيًا يعادي الهجرة، وكأن هؤلاء النجوم يُستثنون مؤقتًا من العنصرية فقط لأنهم يجلبون الانتصارات.

إن تشجيع كرة القدم في هذا المناخ يجعلك تتأرجح دائمًا بين الفرح والاحتفال من جهة، والغضب والاستياء من جهة أخرى.

نحن نعيش حقبة عالمية مليئة بالصدمات وفقدان الثقة في كل المؤسسات، هذه الحالة انعكست بشكل مخيف على عالم كرة القدم، ووصلت أزمة الثقة إلى ذروتها مؤخرًا مع إلغاء هدف منتخب مصر أمام الأرجنتين، مما مهد الطريق لفوز الأخيرة في اللحظات الحاسمة.

انطلقت اتهامات عديدة بأن الأمر كان مدبرًا، وانتشرت نظريات تؤكد أن الفيفا عاقب مصر بسبب تصريحات مدربها حول أحداث غزة.

لا يمكن لوم الجماهير على تصديق وجود مؤامرات؛ فكيف نثق في نزاهة اللعبة عندما يتدخل رئيس دولة لإلغاء طرد، أو عندما تُمنح جوائز دولية بطرق تثير السخرية؟

لا أحد منا يريد أن يتحول إلى متعصب سياسي يبحث عن نظرية مؤامرة خلف كل صافرة حكم.

كل ما نريده هو مشاهدة المباراة كما اعتدنا دائمًا: الجلوس بترقب، الشعور بالتوتر، الحزن لدرجة الغثيان عندما يخسر فريقنا المفضل، والبكاء مع اللاعبين لأن الحياة بطبيعتها تحمل الفرح والمأساة، وليس لأن سياسيًا أو مسؤولًا فاسدًا قد حسم النتيجة سلفًا.

لا نريد ندوات سياسية بعد كل مباراة، ولا نريد أن يتحول كل هدف إلى استعارة جيوسياسية؛ نريد فقط أن نستمتع بكرة القدم.

لكن، مع اقتراب البطولة من نهايتها، ندرك حقيقة واقعة؛ كأس العالم، رغم كل التكنولوجيا والتوجهات التجارية، يظل الحدث الوحيد الذي يعكس حالتنا الجماعية.

إنه الوعاء الذي نلقي فيه مخاوفنا، آمالنا، وغضبنا كل أربع سنوات؛ السياسة ابتلعت المتعة، نعم، لكن كأس العالم سيظل دائمًا البوصلة التي تقيس نبض هذا الكوكب.. وسنظل نقيس حياتنا به دائمًا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt