لسنواتٍ طويلة، اعتدنا على رؤية ذلك النجم الصارم؛ المهاجم الذي لا يبتسم إلا بعد تسجيل الأهداف، والقائد الذي يحمل على كتفيه أحلام 100 مليون مصري بملامح يكسوها التوتر والضغط.
لكن، من يتابع منتخب مصر في بطولة كأس العالم 2026، سيدرك فورًا أن هناك شيئًا استثنائيًا قد حدث!
لقد خلع الأسطوري محمد صلاح عباءة البريميرليج الصارمة، وترك ملامح الاحتراف الأوروبي الباردة في خزانة ملابسه، ليخرج إلينا بنسخة لم نرها منذ سنوات؛ نسخة تضحك، تبكي، ترقص، وتغني الأغاني الشعبية!
فما الذي تغير ليتحول أيقونة ليفربول السابق إلى قائد الكرنفال في هذا المونديال؟
في السابق، كان الانضمام لمعسكر المنتخب يعني بالنسبة لصلاح الدخول في حالة من التركيز المفرط الذي يميل إلى العزلة.
كان يبدو دائمًا وكأنه يحمل جبلًا من الضغوط، مطالبًا بصناعة المعجزات بمفرده؛ أما في هذا المونديال، فقد رأينا محمد صلاح يتحرر تمامًا من هذا العبء.
بدلًا من التصريحات الدبلوماسية المعتادة والمتجهمة، أصبحنا نراه يمازح الصحفيين في المنطقة المختلطة، ويتبادل القفشات مع زملائه، بل ويُطلق النكات العفوية التي تُضحك الجميع.
لقد أدرك صلاح أخيرًا أن الاستمتاع باللحظة هو أقصر طريق للنجاح، فتخلى عن دور “البطل الخارق والمثالي”، ليلعب دور “الكابتن والأخ الأكبر” الذي يوزع الابتسامات قبل التمريرات.
قد يهمك أيضًا: كانافارو لـ365Scores: كأس العالم نقطة انطلاق أوزبكستان وفرنسا الأقوى.. وهذا مرشحي للكرة الذهبية!
لعل أكبر انتصار حققه صلاح في هذا المونديال -بعيدًا عن التأهل التاريخي- هو استعادة قلوب الجماهير التي تسرب إليها شعور خفي في السنوات الماضية بأنه “تأنجلز”، وأن عيشته الطويلة في أوروبا أفقدته بعضًا من حرارة دمه المصري.
لكن كل هذه الهواجس تبخرت تمامًا في لحظة واحدة! عندما صعد محمد صلاح إلى سقف حافلة المنتخب، ممسكًا بالهاتف، ومندمجًا بالرقص والغناء على أنغام “ده أنا مصر حبيبتي في كفة”، ومرتديًا تاج الفراعنة الذهبي!
في تلك اللحظة المجنونة، لم يَرَ المصريون لاعبًا محترفًا يُقيم في قصور لندن، بل رأوا شابًا من أبناء نجريج يحتفل بفرحة عفوية خالصة تشبه احتفالاتنا في الشوارع والمقاهي. لقد عاد المصري الذي بداخل صلاح ليحتل المشهد بقوة.
السر الأكبر وراء هذه السعادة الغامرة هو انهيار الحواجز النفسية التي كانت تفصل بين النجم والجماهير؛ في الماضي، كانت هناك مسافة تُفرضها النجومية العالمية، لكن في كأس العالم 2026، كسر محمد صلاح هذا الحاجز الجليدي تمامًا.
أصبح يتفاعل مع الجماهير في المدرجات، يشير إليهم، يبكي معهم دموع الفرح بعد ركلات الترجيح، بل ويسمح لأسطورة هوليوودية مثل صامويل جاكسون بممازحته في نفق اللاعبين بكل أريحية وتواضع.
لقد أدرك صلاح أن حضنه الحقيقي ومصدر طاقته لا يكمن في إثبات احترافيته الصارمة، بل في الاندماج مع هذا الشعب الذي يتنفس كرة القدم، والذي يحتاج إلى بطل يشبهه، يضحك كضحكته، ويبكي كبكائه.
ربما يكون محمد صلاح قد حصد كل الألقاب الممكنة في أوروبا، لكنه في كأس العالم 2026 وجد الكنز الحقيقي الذي كان مفقودًا: “راحة البال وفرحة البدايات”.
النسخة الحالية من صلاح ليست مجرد لاعب عظيم، بل هي لحالة إنسانية مبهجة تُثبت أن الجينات المصرية لا تموت، مهما شربت من شاي الإنجليز أو ارتدت من بدل أرماني.
فشكرًا للمونديال الذي أعاد لنا أبو مكة الحقيقي، النسخة الشعبية، المرحة، والأسعد على الإطلاق!




