الرئيسيةالتكنولوجيا90 عاماً من عجز البشر.. الذكاء الاصطناعي يحل مسائل استعصت على عباقرة...

90 عاماً من عجز البشر.. الذكاء الاصطناعي يحل مسائل استعصت على عباقرة الرياضيات

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

لسنوات طويلة، ظل حل المسائل الرياضية الكبرى حكرًا على العقول البشرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسئلة مفتوحة تحتاج إلى ابتكار طرق جديدة في التفكير وليس مجرد إجراء حسابات معقدة، لكن عام 2026 شهد سلسلة من التطورات اللافتة التي دفعت الذكاء الاصطناعي إلى منطقة جديدة، بعدما بدأت نماذج متقدمة في تقديم حلول أو اكتشافات جديدة لمسائل ظل بعضها مفتوحًا لعقود، وفي إحدى أحدث الخطوات أعلنت OpenAI عن حل تزعم أنه لمسألة من أصعب مسائل الرياضيات في العالم، وهي مسألة Navier–Stokes التي ظلت دون حل كامل لنحو 90 عامًا.

تعد مسألة وجود وانتظام معادلات Navier–Stokes واحدة من مسائل الألفية السبع التي اختارها معهد كلاي للرياضيات عام 2000، ووضع جائزة قدرها مليون دولار لحل كل واحدة منها، وترجع جذور المشكلة إلى معادلات وضعها العالم الفرنسي كلود نافير والعالم البريطاني جورج ستوكس في القرن التاسع عشر، بينما ظل السؤال الرياضي المحدد المتعلق بإمكانية ظهور تفردات في حركة السوائل ثلاثية الأبعاد دون إجابة نهائية.

وتستخدم معادلات Navier–Stokes في وصف حركة السوائل والغازات، ولها تطبيقات في تصميم الطائرات والتنبؤ بالطقس ودراسة تدفق الدم، لكن الجانب الرياضي الأصعب يتعلق بما إذا كانت الحلول التي تبدأ بصورة ناعمة ومنتظمة يمكن أن تصل خلال فترة زمنية محدودة إلى حالة تصبح فيها السرعة غير محدودة رياضيًا.
في 8 سبتمبر 2026، أعلنت OpenAI أنها توصلت إلى برهان لهذه المشكلة باستخدام نظام ذكاء اصطناعي داخلي أكثر قدرة من نماذجها العامة، وقالت إن نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي عملوا بصورة متوازية على المشكلة، قبل أن تصل المنظومة إلى الحل بعد نحو 88 ساعة، ثم استغرق التحقق الرسمي باستخدام لغة Lean نحو 17 ساعة إضافية، وبحسب OpenAI، فإن البرهان يثبت إمكانية ظهور تفرد في معادلات Navier–Stokes تحت شروط محددة، وهو ما يعني أن المسألة يمكن أن تُحسم من خلال إثبات أن الانهيار الرياضي ممكن بالفعل، لكن من المهم صحفيًا عدم التعامل مع الأمر باعتباره نهاية الجدل؛ فالنتيجة ما زالت بحاجة إلى التدقيق المستقل من المجتمع الرياضي، كما أثار الإعلان بالفعل جدلًا حول أولوية بعض الأفكار البحثية ومصادر المعرفة التي اعتمدت عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

قبل إعلان Navier–Stokes، كان هناك اختراق آخر أكثر وضوحًا في مجال الرياضيات البحتة، بعدما أعلنت OpenAI في مايو 2026 أن أحد نماذجها تمكن من دحض تخمين المسافة الواحدة لإردوش، وهي مسألة طرحها عالم الرياضيات المجري بول إردوش عام 1946، السؤال يبدو بسيطًا للغاية: إذا وضعنا عددًا من النقاط على مستوى ثنائي الأبعاد، فما أكبر عدد ممكن من الأزواج التي تكون المسافة بين كل زوج منها مساوية تمامًا لوحدة واحدة؟ لكن بساطة السؤال أخفت وراءها مشكلة عميقة في الهندسة التوافقية، وظل الرياضيون يعملون عليها لنحو 80 عامًا.
المثير هنا أن الذكاء الاصطناعي لم يقدم مجرد تقريب عددي أو بحث سريع بين احتمالات، بل ساعد في اكتشاف بناء رياضي جديد أدى إلى دحض التخمين نفسه، وهو ما فتح الباب أمام تقنيات جديدة في نظرية الأعداد والهندسة التوافقية، وفقًا لما أعلنته OpenAI، ولم تتوقف القصة عند مسألة إردوش، ففي أغسطس أعلنت OpenAI عن مجموعة من 10 نتائج رياضية قالت إن أنظمتها حققت فيها حلولًا أو تقدمًا جوهريًا، بينها نتائج مرتبطة بمسائل أخرى لإردوش، منها مسائل في أعداد رامزي ونظرية الرسوم البيانية، وهو ما يعكس انتقال استخدام الذكاء الاصطناعي من حل مسألة واحدة إلى البحث المنهجي عن حلول لمسائل مفتوحة.

التحول الأهم ربما لا يكمن في مسألة واحدة بعينها، وإنما في ظهور تجارب مصممة لاختبار ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا بالفعل على القيام بجزء من العمل الذي يقوم به الباحث الرياضي، ومن أبرز هذه التجارب مشروع First Proof، الذي جمع مسائل رياضية بحثية حقيقية ظهرت أثناء عمل علماء رياضيات متخصصين، وبعضها كان قد ظل مفتوحًا لسنوات قبل أن يتمكن واضعوها من حلها، ثم جرى تقديمها لأنظمة الذكاء الاصطناعي دون نشر حلولها على الإنترنت مسبقًا، لتقليل فرصة أن تكون النماذج قد عثرت على الإجابات من خلال التدريب أو البحث التقليدي.

قد يهمك أيضًا: كيف تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على الهواتف واللابتوبات والسيارات الكهربائية؟

وفي الجولة الثانية من المشروع، جرى اختبار 10 مسائل بحثية متخصصة، وأظهرت النتائج أن أفضل الأنظمة استطاعت الوصول إلى إجابات صحيحة أو شبه صحيحة في نحو ست أو سبع مسائل من أصل 10، لكن الاختبار كشف في الوقت نفسه عن مشكلة مهمة، وهي أن بعض البراهين التي تنتجها النماذج تبدو مقنعة للغاية بينما تحتاج إلى مراجعة رياضيين متخصصين لاكتشاف الأخطاء الموجودة فيها، وفي يوليو 2026، فاز فريق من ETH Zurich بتحدي First Proof بعدما تمكن نظامه القائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي من حل 6 مسائل من أصل 10، متفوقًا على أنظمة مقدمة من جهات أخرى، بينها OpenAI وUCLA وPrinceton، كما أشار الفريق إلى أن النظام نجح خلال مرحلة الإعداد في حل عدد من المسائل التي لم تكن قد حُلت من قبل.

ومن المفارقات أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل حتى إلى منطقة مسائل رياضية حُلّت بالفعل على يد البشر، لكن ليس بهدف إعادة اكتشاف الحل، وإنما بهدف تحويل البراهين البشرية المعقدة إلى صيغة يمكن للحاسوب التحقق منها بصورة رسمية، ومن أبرز الأمثلة مبرهنة فيرما الأخيرة، التي طرحها بيير دي فيرما في القرن السابع عشر وظلت دون برهان حتى تمكن أندرو وايلز من إثباتها في تسعينيات القرن الماضي بعد عمل رياضي ضخم، لكن تقارير حديثة تحدثت عن تمكن نظام ذكاء اصطناعي تابع لـAnthropic من المساعدة في تحويل البرهان إلى صيغة رسمية قابلة للتحقق الآلي خلال فترة قصيرة نسبيًا، وهنا يظهر فرق مهم، فالذكاء الاصطناعي لم يحل مبرهنة فيرما لأول مرة، وإنما تعامل مع مهمة مختلفة: جعل برهان بشري شديد التعقيد قابلًا للفحص الرسمي خطوة بخطوة، وهو اتجاه قد يصبح من أهم استخدامات الذكاء الاصطناعي في الرياضيات خلال السنوات المقبلة.

الأرقام تشير إلى أن ما يحدث ليس مجرد سلسلة من القصص المنفصلة، إذ وجدت دراسة حديثة حللت 32,944 بحثًا رياضيًا منشورًا على منصة arXiv بين مارس وأغسطس 2026 أن 3,575 بحثًا أفصح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تضمنت 1,712 ورقة مساهمة رياضية جوهرية من أنظمة الذكاء الاصطناعي، والأكثر إثارة أن الباحثين رصدوا 717 مسألة مفتوحة ارتبطت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ووصف أصحاب 71% منها بأنها حُلّت بالكامل، وإن كان ذلك وفق توصيف الباحثين أنفسهم وليس بالضرورة بعد إجماع رياضي مستقل على كل نتيجة، وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول من آلة لإجراء الحسابات أو شرح النظريات إلى أداة يمكنها اقتراح أفكار، واستكشاف مسارات جديدة، وتجربة عدد هائل من الفرضيات، وربط نتائج من مجالات مختلفة، ثم تقديم براهين يمكن للإنسان مراجعتها.

لكن المفارقة أن هذه القوة تفتح سؤالًا أصعب من مجرد «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي حل الرياضيات؟»، وهو: هل يستطيع البشر فهم الرياضيات التي يكتشفها الذكاء الاصطناعي؟، ففي حالة Navier–Stokes، احتاجت المنظومة إلى ملايين الرسائل بين الوكلاء ومئات المليارات من الرموز للوصول إلى النتيجة، بينما أصبحت بعض البراهين التي تنتجها النماذج طويلة ومعقدة إلى درجة يصعب معها على الإنسان تتبع الفكرة الأساسية بسهولة.

ولهذا يرى عدد من الرياضيين أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على حل مسائل أصعب، وإنما ستكون محاولة لفهم كيف يفكر النظام، وكيف يمكن تحويل النتائج التي ينتجها إلى معرفة رياضية يستطيع البشر استخدامها والبناء عليها، وبينما ما زالت بعض الادعاءات الحديثة، وعلى رأسها إعلان Navier–Stokes، تنتظر التدقيق المستقل، فإن الاتجاه العام أصبح واضحًا: المسائل التي كانت تحتاج في الماضي إلى سنوات من العمل من جانب فرق من الرياضيين أصبحت تدخل الآن في نطاق يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي مهاجمته خلال ساعات أو أيام.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات