يستمر الجدل حول كيليان مبابي خلال الساعات الأخيرة بسبب صورته وهو يركب الدراجة ليفتح الباب أمام تفكير الفرنسي في مصلحته الشخصية، نتيجة تراكم مواقف عديدة وضعته خلال العامين الماضيين في قلب نقاش لا ينتهي حول علاقته بريال مدريد.
منذ وصوله إلى سانتياجو برنابيو، لم يتوقف الحديث عن مبابي باعتباره النجم الأهم في مشروع ريال مدريد، لكن بعض تصرفاته وتصريحاته جعلت صورته ترتبط أحيانًا بالأهداف الفردية، والكرة الذهبية، وحياته الخاصة، أكثر مما ترتبط بالمجموعة.
ومع الأزمة الأخيرة، تبدو كل واقعة قديمة وكأنها تعود إلى الواجهة من جديد، بنفس المنطلق الذي يفكر من خلاله مبابي، ليفضل مصلحته الشخصية على ريال مدريد.
في أكتوبر 2024، بدأت واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل في مسيرة مبابي مع ريال مدريد. اللاعب غاب عن معسكر منتخب فرنسا بسبب مشكلة عضلية، بعدما أوضح ديدييه ديشامب أن الإصابة ليست خطيرة لكنها تحتاج إلى العلاج وعدم المخاطرة.
لكن في الوقت الذي كان فيه زملاؤه مع منتخب فرنسا، ظهر كيليان في العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث قضى يومين وليلتين برفقة عدد من المقربين، من بينهم صديقه ونجم باريس سان جيرمان السابق نوردي موكييلي، وظهر في مطعم ثم في أحد الملاهي الليلية، بالتزامن مع مباراة فرنسا والكيان الصهيوني في دوري الأمم الأوروبية.
الموقف لم يكن مخالفة لتعليمات ريال مدريد، إذ كانت الرحلة خلال فترة الراحة التي حصل عليها اللاعب، لكن توقيتها أثار جدلًا واسعًا في فرنسا، خصوصًا أن مبابي كان قائدًا للمنتخب الفرنسي، وغاب عن التجمع بحجة الحاجة إلى الراحة والتعافي.
وهنا بدأت واحدة من أبرز علامات الاستفهام حول طريقة تعامله مع الالتزامات الجماعية عندما تتعارض مع خياراته الشخصية، حيث لم يفضل حتى العودة إلى ريال مدريد، في ظل تراجع مستواه خلال تلك الفترة وعدم إيجاد النسق.
بعد أشهر، عاد السيناريو بصورة أكثر ارتباطًا بريال مدريد. في أبريل 2026، تعرض مبابي لإصابة في عضلة الساق اليسرى أمام ريال بيتيس، وأعلن النادي إصابته في العضلة نصف الوترية، في وقت كان الفريق يستعد لمراحل حاسمة من الموسم.
وبينما كان اللاعب في مرحلة التعافي، سافر إلى سردينيا برفقة الممثلة إستر إكسبوسيتو، قبل أن يواجه ريال مدريد مباريات مهمة في ذلك الوقت.
الرحلة أثارت انتقادات واسعة، واضطر الفرنسي إلى الدفاع عن التزامه بالتعافي والتأكيد على أن رحلته لم تكن دليلًا على عدم اهتمامه بالفريق.
المفارقة أن الواقعة لم تكن أزمة طبية بقدر ما كانت أزمة صورة؛ فحتى عندما يكون اللاعب مصابًا ويعمل على برنامجه العلاجي، فإن اختياره قضاء جزء من الفترة خارج مدريد يجعل كل تحرك له تحت المجهر، خاصة عندما يكون النجم الأول للفريق.
وفي ديسمبر 2025، اختار مبابي قضاء جزء من إجازته في المغرب، بعدما وصل إلى الرباط برفقة أسرته، استجابة لدعوة صديقه أشرف حكيمي لحضور مباراة المغرب ومالي في كأس أمم إفريقيا.
ظهر كيليان في المدرجات مرتديًا قميص المنتخب المغربي يحمل اسم حكيمي، وكان من المقرر أن يبقى في المغرب حتى 29 ديسمبر، وهو موعد عودة ريال مدريد إلى التدريبات.
مرة أخرى، لا توجد مخالفة هنا؛ اللاعب كان في إجازته الرسمية، ولم يتأخر عن موعد عودته المحدد. لكن إدخال الواقعة ضمن الصورة الأكبر يكشف مدى حرص مبابي على استغلال فترات الراحة بالطريقة التي تناسبه، سواء بالسفر أو حضور مباريات أصدقائه، وهو أمر يصبح أكثر إثارة للنقاش عندما يقارن بما يطلبه منه النادي كنجم وقائد للمشروع.
وضع البعض تلك الرحلة ضمن أسباب إصابة مبابي التي شهدت جدلًا واسعًا، بسبب عدم تشخيص إصابته بشكل سليم، وهو ما فتح باب الجدل بشكل أكبر، لعدم اهتمام اللاعب نفسه.
ربما تكون الكرة الذهبية هي أكثر الملفات وضوحًا في فهم طريقة تفكير مبابي. ففي سبتمبر 2026، تحدث اللاعب بصراحة عن الجائزة، وقال إن الموسم الحالي يمثل فرصة جيدة بالنسبة له للفوز بها، قبل أن يضيف أن الأهم بالنسبة إليه هو أن تعود الكرة الذهبية إلى ريال مدريد وجماهير سانتياجو برنابيو.
المشكلة هنا ليست في رغبة مبابي في الفوز بالجائزة؛ فهذا طموح طبيعي لأي لاعب من الصف الأول. لكن التقارير والنقاشات المحيطة به خلال الفترة الأخيرة قدمت صورة للاعب يتعامل مع الكرة الذهبية باعتبارها جزءًا أساسيًا من مشروعه الشخصي، حتى في موسم لم يحقق فيه ريال مدريد الألقاب التي كان يبحث عنها.
وانتشرت تقارير حول رغبة مبابي في دعم ريال مدريد له بشكل مطلق في سباق الكرة الذهبية، مثلما يفعل الإعلام الكتالوني مع لامين يامال لاعب برشلونة.
قد يهمك أيضًا: الاتحاد يضع عقبة أخيرة أمام رحيل موسى ديابي
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يجب أن يكون نجاح ريال مدريد هو الطريق الذي يقود مبابي إلى الكرة الذهبية، أم أن ريال مدريد نفسه أصبح في بعض الأحيان وسيلة لتحقيق الهدف الفردي الأكبر؟
في مايو 2026، دخل مبابي في مواجهة علنية مع مدربه السابق ألفارو أربيلوا، بعدما وجد نفسه على مقاعد البدلاء أمام ريال أوفييدو عقب عودته من الإصابة.
مبابي قال بعد المباراة إنه فهم من أربيلوا أنه أصبح المهاجم الرابع في ترتيب الفريق، خلف فينيسيوس جونيور وجونزالو جارسيا وفرانكو ماستانتونو. لكن أربيلوا نفى أنه وصفه بهذه الصورة، وأكد أن قراره كان مرتبطًا بحالة اللاعب البدنية وعودته الحديثة من الإصابة.
الموقف مهم لأنه كشف حساسية مبابي تجاه مكانته داخل الفريق. اللاعب الذي جاء إلى مدريد باعتباره أحد أكبر نجوم العالم وجد نفسه مضطرًا للدفاع علنًا عن موقعه داخل التشكيل، وهو ما جعل الأزمة تبدو أكبر من مجرد قرار فني يتعلق بمباراة واحدة.
قبل مواجهة إنتر ميلان في دوري أبطال أوروبا سبتمبر الماضي، ظهر التباين بين مبابي ومورينيو بصورة واضحة.
مورينيو تحدث عن ريال مدريد باعتباره مجموعة، وقال إنه رأى اللاعبين يعملون كفريق، مؤكدًا أن الهدف هو المنافسة وتحقيق الفوز، وسُئل مبابي هل يتفق مع رأي جوزيه، الذي يفضل أن يسجل كيليان 40 هدفًا مع تحقيق ألقاب، بدلًا من 60 هدفًا دون ألقاب.
وكانت إجابة مبابي: “أنا أتفق معه بدرجة أقل. ربما 30 هدفاً. لن أقول إن هذا نقاش خاص بأشخاص لا يلعبون كرة القدم، لكنه نقاش عبثي، بالتأكيد أريد تسجيل المزيد من الأهداف، ولما لا أسجل كل هذه الأهداف ونحقق الألقاب”.
الجملة في حد ذاتها ليست أزمة، بل هي طبيعية من مهاجم بحجم مبابي، لكنها جاءت في توقيت كان مورينيو يحاول فيه ترسيخ خطاب مختلف يقوم على المجموعة والانضباط والعمل الجماعي.
وفي هذه التفاصيل الصغيرة يظهر اختلاف فلسفة واضح: مدرب يريد إعادة بناء فريق، ونجم يرى أن دوره الأساسي هو صناعة الفارق بالأهداف.
ثم جاءت الأزمة الحالية لتعيد كل الملفات القديمة إلى السطح. بعد إصابته في الركبة خلال مباراة فرنسا وتركيا، عاد مبابي إلى فرنسا بدلًا من البقاء في مدريد، وقضى جزءًا من فترة التعافي هناك.
وخلال تلك الفترة ظهر في باريس برفقة إستر إكسبوسيتو، كما التقطت له صور في أجواء ليلية، وهو ما فتح باب الانتقادات من جديد.
نشر مبابي فيديو يظهر فيه وهو يركب دراجة أثناء فترة تعافيه من إصابة الركبة، وذلك بعد أيام فقط من تصريحات لمورينيو حذر فيها من ركوب لاعبي كرة القدم للدراجات بسبب احتمالية السقوط والتعرض لإصابة جديدة.
الأهم أن الفيديو نفسه لا يثبت متى تم تصويره، وبالتالي لا يمكن الجزم بأنه خالف تعليمات مورينيو أو أن الدراجة كانت جزءًا من فترة الإصابة. بل إن ريال مدريد نفسه لا يرى أن ركوب الدراجة ممنوع، وأكد أن إجازة اللاعب كانت بموافقة النادي.
لكن توقيت الصورة جعلها تبدو وكأنها الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة: ستوكهولم، سردينيا، المغرب، الكرة الذهبية، أزمة أربيلوا، تصريحات إنتر، ثم باريس والدراجة.
في النهاية، لا يمكن القول إن كل واقعة من هذه الوقائع تمثل خطأ من مبابي، ولا أن اللاعب تعمد في كل مرة وضع نفسه فوق ريال مدريد.
بعض الرحلات حدثت خلال إجازات رسمية، وبعض التحركات كانت بموافقة النادي، وبعض تصريحاته يمكن تفسيرها ببساطة على أنها ثقة في قدراته وطموح طبيعي للفوز بالكرة الذهبية.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التراكم. فكل مرة يظهر فيها مبابي في موقف يخص حياته الشخصية، أو يتحدث عن أرقامه، أو يدافع عن مكانته، أو يتعامل مع الكرة الذهبية باعتبارها هدفًا أساسيًا، يعود السؤال نفسه: هل أصبح ريال مدريد بالنسبة إلى مبابي هو المكان الذي سيحقق من خلاله طموحاته الفردية، أم أن طموحاته الفردية أصبحت جزءًا من مشروع ريال مدريد؟
وهنا تحديدًا تكمن حساسية الأزمة الحالية؛ لأن صورة الدراجة لم تصنع المشكلة، وإنما أعادت فتح ملف بدأ منذ ستوكهولم ولم يُغلق حتى الآن، بل وتوقيت نشر الصور أو الإدلاء بأي تصريح، تشير بشكل مباشر إلى أن كيليان مصلحته الشخصية أهم من ريال مدريد.




