تثير النسخة الثانية من مناورات «نسور الحضارة» بين القوات الجوية المصرية والصينية تساؤلات حول ما إذا كانت تفتح الطريق أمام تنسيق دفاعي مشترك، وبخاصة أن التدريبات هذه المرة شملت «إدارة أعمال القتال الجوي لمهاجمة الأهداف المعادية وحماية الأهداف الحيوية»، وبمشاركة مقاتلات صينية متطورة.
وقال المتحدث العسكري المصري في بيان، الاثنين، إن التدريبات مستمرة بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من مختلف الطرازات لكلا الجانبين، وإنه تم «تنفيذ عدد من الطلعات المشتركة للتدريب على إدارة أعمال القتال الجوي لمهاجمة الأهداف المعادية وحماية الأهداف الحيوية».
ويسهم التدريب في «تبادل الخبرات وتطوير مهارات وقدرات الطيارين على العمل المشترك في تناغم وتنسيق كامل فيما بينهم، فضلاً عن التدريب على أعمال التزود بالوقود في الجو»، وفق المتحدث العسكري المصري.
ويتفق عضو بلجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري وخبيران عسكريان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، على أن التدريبات تستهدف التعرف عن قرب على إمكانيات المقاتلات الصينية المتطورة ضمن سياسة مصرية تقوم على تنويع مصادر التسليح، وأن زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ المرتقبة إلى القاهرة، الثلاثاء، قد تشهد اتفاقيات تدعم التعاون العسكري، لكنهم شددوا على أنه من السابق لأوانه الحديث عن تنسيق دفاعي مشترك.
خبراء يؤكدون أن تنوع مصادر التسليح هدف مصري رئيسي من التدريبات المشتركة (المتحدث العسكري المصري)
وانطلقت فعاليات المناورات، مساء السبت الماضي، بحسب ما أعلن الجيش المصري، وفي ذلك الحين أشار إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين. وقبلها قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، إن تلك المناورات ستُختتم أوائل سبتمبر (أيلول).
وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، اللواء إبراهيم المصري، يرى «أن التدريبات تأتي في سياق تاريخ ممتد من العلاقات المصرية الصينية، وتتزامن مع رؤية القيادة السياسية المصرية نحو تنويع السلاح لكي لا يقع الجيش تحت ضغوطات في ظروف معينة حال الاعتماد على مورد واحد».
وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن التوجه المصري نحو الصين يأتي في وقت تحقق فيه بكين طفرات تكنولوجية هائلة، وبعد أن أحدثت تقدماً في تصنيع أحدث المقاتلات والأسلحة، وأصبحت منافساً دولياً من الممكن الاعتماد عليه لإحداث تغيير في موازين القوى.
لا يفصل النائب البرلماني بين تقدم مستوى العلاقات العسكرية بين مصر والصين عن التطور في العلاقات السياسية والاقتصادية، لافتاً إلى «أن الصين لديها نقطة ارتكاز صناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس (عبر المنطقة الصناعية الصينية) وتتخذها نقطة انطلاق إلى العالم، ويعزز ذلك من تدشين علاقات عسكرية متطورة تتضمن التصنيع العسكري المشترك ونقل التكنولوجيا الصينية».
نوصي بقراءة: هجمات جديدة للدعم السريع تستهدف 6 قرى بشمال دارفور توقع قتلى وجرحى
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقعت «الهيئة العربية للتصنيع» المصرية مذكرة تفاهم مع شركة «Shadow Wings» الصينية، بهدف توطين تكنولوجيات تصنيع أنظمة دفاعية متقدمة والاستفادة من قدرات مصنع الطائرات التابع للهيئة.
وقالت الهيئة إن الاتفاق يمثل بداية لمزيد من التعاون في الصناعات الدفاعية المتقدمة بين مصر والصين، وإنها تسعى إلى تحويل مصانعها إلى مركز للشراكة وتبادل الخبرات مع الشركات الصينية.
التدريبات الجوية المشتركة بين مصر والصين ركزت على حماية الأهداف الحيوية (المتحدث العسكري المصري)
وتوقع الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، توقيع اتفاقيات عسكرية خلال زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن «تنسيق دفاعي مشترك» بين البلدين، مضيفاً: «الأمر يخضع لاعتبارات سياسية وعلاقات متوازنة مع قوى دولية عظمى أخرى».
وأكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الصين تهدف لاستعراض أحدث طائراتها وإمكانياتها المتطورة، وأن القاهرة تستفيد من التعرف على هذه المقاتلات قبل تحديد اختياراتها بشأن تطوير التسليح، كما أن هناك مكاسب مشتركة جراء مشاركة المقاتلين من البلدين في تدريبات على أسلحة متعددة.
وبحسب البيان الأخير للمتحدث العسكري المصري فإن التدريب «يهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة للعناصر المشاركة في التخطيط والتنفيذ لإدارة العمليات الجوية الحديثة، وكذا تعظيم الخبرات المتبادلة بما ينعكس على قدرة وجاهزية القوات الجوية لكلا البلدين لتنفيذ جميع المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار».
ويُمثل التدريب النسخة الثانية من «نسور الحضارة»، بعد نجاح نسخته الأولى التي استضافتها مصر خلال الفترة من 17 أبريل (نيسان) إلى 4 مايو (أيار) 2025.
الخبير في الشأن العسكري والاستراتيجي، اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، أشار إلى أن النسخة الثانية من هذه التدريبات تركزت على تكتيكات القتال الجوي، وتهدف إلى تعزيز الثقة المتبادلة ودعم السلام الإقليمي، في ظل علاقات عسكرية بين البلدين تحتل مكانة استراتيجية متنامية مع وجود أهداف مصرية تتعلق بتنويع مصادر السلاح وتعزيز العلاقات الدفاعية المشتركة، في مواجهة تحديات إقليمية متصاعدة بالشرق الأوسط وأفريقيا.
ويتوقع عبد المحسن أن تمهد المناورات إلى تنسيق دفاعي أكبر وبخاصة أنها تركز على توحيد المفاهيم القتالية وتبادل المهارات القتالية في الميدان، مشيراً إلى أن هذا التنسيق يمكن أن يتطور؛ كون أن البلدين لديهما مصلحة مشتركة في حماية الممرات الملاحية وتأمين حركة التجارة العالمية في ظل التصعيد القائم بالمنطقة.
واعتبر أن التعاون العسكري جزء من العلاقات الاستراتيجية المصرية – الصينية التي تشهد أفضل مراحلها بعد الارتقاء إلى «الشراكة الاستراتيجية»، مشيراً إلى أن القاهرة في الوقت ذاته تهدف لإرسال إشارات سياسية في اتجاهات متعددة تؤكد من خلالها استقلالية القرار العسكري المصري، وتنويع الشراكات الدولية، إلى جانب توجهها نحو تعزيز قدرات الردع المشتركة في مواجهة التهديدات الأمنية بالإقليم.




