
يرى محللون أن احتمال عقد لقاء بين دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خلال جولة آسيوية مرتقبة للرئيس الأميركي هذا الشهر، بات أكثر ضآلة، بعد الهزيمة القاسية التي مُني بها في انتخابات منتصف الولاية.
قال ترمب في وقت سابق إنه «قد» يلتقي كيم جونغ أون الشهر الحالي، وإن ذلك «سيكون مثيراً»، لكنه بدا وكأنه يتراجع في أكتوبر (تشرين الأول) حين قال: «لا أعلم، لست متأكداً من أن أحداً يطلب عقد اجتماع»، مضيفاً أن «العلاقة مع كيم جونغ أون جيدة جداً».
وأثار تركيز ترمب على زعيم كوريا الشمالية، وتقليصه حجم المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، قلق حلفاء واشنطن في آسيا، في ظلِّ التكهنات بشأن سعيه لتحقيق إنجاز على صعيد السياسة الخارجية مع تعثر الحرب مع إيران.
لكن كيم يو جونغ، الشقيقة النافذة للزعيم الكوري الشمالي، أشارت الأربعاء إلى أن بيونغ يانغ غير مهتمة لاستئناف الحوار مع واشنطن، مؤكدة أن بلادها «ليست بحاجة إلى الجلوس وجهاً لوجه مع أشخاص غير موثوق بهم وعدائيِّين إلى هذا الحد».
وأضافت أن «خيار السلام يشمل الحوار بطبيعة الحال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتوافق مع مصالحنا الوطنية».
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال تفقده حوض نامفو لبناء السفن (أ.ف.ب)
وجاءت تصريحاتها بعد اتهام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) كوريا الشمالية بالوقوف وراء سرقة نحو 6 مليارات دولار من منصة العملات الرقمية «بينانس»، وهي اتهامات وصفتها سابقاً بأنها «استفزاز سياسي خطير».
ويرى ليم أول تشول، الأستاذ في معهد الدراسات الشرق آسيوية بجامعة كيونغنام في كوريا الجنوبية، أن تصريحات كيم يو جونغ تمثل «تحولاً من موقع الدفاع إلى الهجوم».
وقال: «البيان الأخير يستغل قضية (الهجوم الإلكتروني) لإدانة مجمل سياسة الضغط الأميركية تجاه كوريا الشمالية».
في عام 2019 عاد كيم جونغ أون إلى بلاده بعد رحلة قطار استغرقت 60 ساعة من هانوي دون تحقيق أي مكاسب، عقب انهيار قمته مع ترمب.
أما اليوم، فقد انعكست المعادلة، إذ يوجه ترمب مبادرات متكرِّرة نحو بيونغ يانغ، بينما تستقبلها الأخيرة بفتور.
ويقول ليم أول تشول: «بالنسبة لكيم جونغ أون، فإن الحفاظ على الوضع القائم هو أفضل خيار حالياً».
ويقول محللون إن الزعيم الكوري الشمالي باتت لديه دوافع أقل تحفِّزه للقاء ترمب بعد الخسارة الكبيرة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).
منح الناخبون الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس في انتكاسة كبيرة لترمب ستجعله رئيساً محدود النفوذ خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وتوقَّع يانغ مو جين، الرئيس السابق لجامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، أن «يواصل ترمب السعي إلى حوار مباشر على مستوى القادة مع كوريا الشمالية».
اقرأ ايضا: فانس: مسؤولون في إسرائيل سعوا إلى التأثير على أميركا بشأن اتفاق إيران
لكنه رأى أن «الانقسام السياسي في واشنطن وتحول ترمب إلى رئيس ضعيف النفوذ سيكونان عاملين مهمَّين في حسابات بيونغ يانغ».
من جهته، رأى مايكل بوساك، المدير المؤسس لمعهد «بارلي» للسياسات والمسؤول السابق في الأمم المتحدة، أن كوريا الشمالية ستشكك في قدرة واشنطن على تقديم تنازلات دائمة.
وقال إن «النظام الكوري الشمالي يبحث عن تغييرات جوهرية ومستدامة في السياسة الأميركية تجاهه. في الوقت الراهن، لا يستطيع ترمب أن يقدِّم ضمانات بأن أي عرض سيتجاوز يناير (كانون الثاني) 2029»، في إشارة إلى نهاية ولايته الثانية.
كما أن تقارب بيونغ يانغ بشكل متزايد مع كل من روسيا والصين عزَّز موقعها التفاوضي وخفَّف حاجتها إلى الانخراط مع الولايات المتحدة.
وقدَّر البنك المركزي الكوري الجنوبي في يوليو (تموز) أن اقتصاد كوريا الشمالية نما بأكثر من 3 في المائة للعام الثالث على التوالي في 2025، مرجعاً ذلك أساساً إلى «توسيع التعاون الاقتصادي مع روسيا».
حتى وإن اتفق ترمب وكيم على عقد لقاء، فإن خلافاتهما بشأن البرنامج النووي الكوري الشمالي ستظل عقبة رئيسية أمام أي اختراق دبلوماسي.
وأكدت بيونغ يانغ مراراً أنها لم تعد مستعدة لمناقشة نزع سلاحها النووي.
وفي سبتمبر (أيلول)، أعلنت كيم يو جونغ أن وضع بلادها دولةً نوويةً أصبح «مطلقاً»، ووصفت الذين ما زالوا يأملون في نزع السلاح النووي بأنهم «حمقى».
وجاء ذلك في وقت اقترح فيه الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، المعروف بمواقفه التصالحية، أن تسعى واشنطن إلى تجميد البرنامج النووي الكوري الشمالي بدلاً من السعي لإزالته فوراً، مقابل تخفيف العقوبات.
لكن هذا الخيار سيواجه عقبات كبيرة بعد هزيمة ترمب الانتخابية، إذ يتمسَّك الديمقراطيون بهدف نزع السلاح النووي، كما أن الكونغرس يمتلك صلاحيات مؤثرة بخصوص رفع العقوبات.
وقال ليم أول تشول إن بيونغ يانغ «لا تزال تحمل ذكريات سلبية عن فشل المفاوضات في تحقيق تقدم خلال إدارة جو بايدن، بسبب الإصرار الأميركي على عدم تخفيف العقوبات أو الدخول في حوار قبل اتخاذ خطوات نحو نزع السلاح النووي».
وأضاف أن عدم ثقة كوريا الشمالية بواشنطن، إلى جانب الغموض الذي يحيط بأي اتفاق محتمل مع ترمب، قد يدفعها إلى تعزيز طموحاتها النووية.
وتابع: «سيترسَّخ أكثر فأكثر اعتقاد كوريا الشمالية بأن مواصلة تطوير ترسانتها النووية بشكل مستقل، وبغض النظر عن تغير الإدارات أو الأحزاب الأميركية، هو الخيار الصحيح والاستراتيجي».
وأجرت بيونغ يانغ في الأسابيع الأخيرة سلسلة اختبارات على أسلحة جديدة شملت رؤوساً حربية عنقودية، وطائرات هجومية مسيّرة ونظام طوربيدات موجهة عالية الدقة، وصاروخاً فرط صوتي متوسط المدى.
ويرى ليم أول تشول أن «تطوير الأسلحة الجديدة واختبارها والتدريب عليها ستصبح أنشطة منتظمة وروتينية».



