الرئيسيةالثقافة والتاريخنجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي، ولا تكاد تمر سنة من دون أن يصدر كتاب يتناول تجربته الروائية وأعماله وحياته، بالإضافة إلى عشرات المقالات النقدية.

وبهذه المناسبة، ننشر هنا مقالين. الأول، هو قراءة في الأعمدة الأسبوعية التي كان ينشرها محفوظ في جريدة «الأهرام» المصرية، واستمرت عشرين سنة، من 1974 إلى 1994، وتوقفت بعد محاولة اغتياله. وفي المقال الثاني، عرضٌ لكتاب مكرَّس لرواية محفوظ الجدلية «أولاد حارتنا». والكتاب، وهو جزء من مشروع نقدي ستصدر أجزاؤه الأخرى قريباً، هو بمنزلة إعادة قراءة تقارب هذه الرواية مقاربةً نقدية أدبية بحتة، بعيداً عن التأويلات التي أُسقطت على هذا العمل الكبير من خارجه.

قد يهمك أيضًا: «قطط طهران »… لعنة تاريخية تطارد عائلة

من جوانب نجيب محفوظ التي يقل الالتفات إليها جانب الكاتب صاحب العمود الأسبوعي في صحيفة يومية. الكاتب المنشغل بالأحداث الجارية، والوقائع اليومية -في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد- التي تشغل الناس، والحكومات، وتصنع العناوين الرئيسة في الصحافة، وسائر وسائل الإعلام. هذا ما كان يشغل محفوظ في عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام» المسمّى «بوجهة نظر»، والذي كان عادة في حدود 300 كلمة تتناول الأحداث الجارية وقتها، والذي بدأه في 1974، واستمر يكتبه أسبوعياً حتى حادث الاعتداء على حياته في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، فانقطع لفترة، ثم لم يلبث أن عاد لمواصلة العمود عن طريق حوار يجريه معه أسبوعياً الكاتب محمد سلماوي. المقالات جمعها فتحي العشري في عدة كتب، إلا أنه اختار أن يبوب المقالات حسب موضوعاتها (حول الدين، الديمقراطية، التعليم… إلخ)، ضارباً عرض الحائط بالتسلسل الزمني للمقالات حسب تاريخ نشرها. لكن من حسن الحظ أنه عندما تُرجمت المقالات إلى الإنجليزية، ونُشرت في أربعة مجلدات عن دار «جنكو» البريطانية بعنوان: «كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، فإن الناشر والمترجمين اعتمدوا المنهج الزمني، فأعادوا للمقالات تسلسلها حسب تاريخ النشر، ما يتيح للدارس رصد الفكر المحفوظي، رصداً يتتبع تجاوبه مع أحداث الساعة كما وقعت حين كتابة المقالات، وهو ما لمسته حين كتبت بتكليف من الناشر المقدمات للأجزاء الأربعة.

ترى ما الذي يميز تلك المقالات الأسبوعية القصيرة التي كتب محفوظ منها ما لا يقل عن 1500 مقالة عبر ثلاثة عقود ونيف؟ قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات مجتمعة اليوم يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي، والمعلق على الأحداث العامة، والمحلل السياسي الهاوي. أعدت على سبيل المثال قراءة المقالات التي كتبها في الفترة ما بين 1982 و1988، والتي تمثل الجزء الثالث من السلسلة، والمُعَنوَن: «سنوات مبارك المبكرة: 1982-1988» (صدرت الطبعة الورقية منه هذا العام). نُشرت المقالات أسبوعياً على مدى ست سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية في أعقاب سياسة الانفتاح الاستهلاكي التي ميزت عصر السادات… إلخ. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أن ما لفتني في المقالات أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي… إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، وطالباً العبرة من الماضي، ومتطلعاً إلى مستقبل أفضل، وباثّاً العزيمة والأمل دائماً في مَن يقرأه. أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة في غير هوادة في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. ازددت إعجاباً به، إلا أنني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وكتاباته القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته، وقصصه القصيرة من نفس الفترة، فلن نجد فيها بارقة أمل. تلك هي الفترة التي نُشرت فيها «الباقي من الزمن ساعة»، «أمام العرش»، «يوم قُتل الزعيم»، «قشتمر»، وغيرها. هنا يصدمنا الواقع، والإحباط القومي والفردي بكل شراسته. أيُّ الصورتين نصدق؟ الصورة الفنية بطبيعة الحال. ولكنني أكبرت فيه القدرة على التفرقة بين التناول الفني حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، والتناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

في سياق الحديث عن عمود الأحداث الجارية لمحفوظ أحب أن أقف عند مثال من استخدامه الخلّاق له. بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 1987 كتب محفوظ مستشرفاً عيد تحرير سيناء (25 أبريل) من آخر فلول الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: «ولتكن أيضاً مناسبة نذكر فيها أبطال التحرير، مثل أحمس، وعمر مكرم، وعرابي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر (وكان قد ذكر السادات في موضع آخر من المقالة)، الأحياء في قلوبنا، وفي رحاب ربهم».

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات