في مقتبل العمر، كان نائل أبو حمادة يرى نفسه سندا لعائلته، الرجل الذي يخرج كل صباح بحثا عن لقمة عيش بسيطة، ويعود إلى أطفاله بما يستطيع توفيره لهم، كانت مسؤوليات الحياة كثيرة، لكن وجود أطفاله كان يمنحه الدافع لمواصلة العمل وتحمل الصعوبات.
كان يعرف أن أطفاله الصغار لا يملكون في هذه الدنيا سواه، ولذلك كان يسعى بكل ما يملك من قوة إلى تأمين احتياجاتهم، مهما كانت بسيطة، لم يكن يطلب حياة مترفة، وإنما كان يحلم بأن يستطيع توفير الطعام والكسوة والأمان لأطفاله، لكن لحظة واحدة كانت كفيلة بقلب كل شيء.
تعرض نائل لإصابة بالغة تركته يعاني من شلل نصفي، فتحولت حياته من رجل يتحرك ويسعى من أجل أسرته إلى إنسان عاجز عن الحركة، طريح الفراش، لا يستطيع حتى تقليب جسده دون مساعدة.
يقول نائل، مستعيدا تفاصيل حياته قبل الإصابة: “أنا شاب في مقتبل العمر، كنت سندا لعائلتي، وأسعى في مناكب الأرض لأؤمن لقمة العيش البسيطة لأطفالي الصغار الذين لا يملكون في هذه الدنيا سواي”، لكن الصورة التي يعيشها اليوم تختلف تماما عن تلك التي كان يعرفها قبل الإصابة، جسده لم يعد يستجيب له كما كان، والحركة التي كانت أمرا طبيعيا في حياته أصبحت أمنية، بينما تحولت أبسط تفاصيل يومه إلى تحد يحتاج إلى المساعدة.
وبين الألم الجسدي وقسوة العجز، يقول نائل إن أصعب ما يواجهه ليس المرض وحده، ولا الألم الذي يلازمه، وإنما نظرات أطفاله الصغار، متابعا :” أصعب ما في العجز ليس المرض ولا الألم الجسدي، الأصعب هي تلك النظرات في عيون أطفالي الصغار”.
أطفال ينظرون إلى والدهم وينتظرون منه أن يعود كما كان، أن يقف على قدميه، ويكون قادرا على توفير الطعام والملابس لهم، يسألونه ببراءة الأطفال عن احتياجاتهم، بينما يجد نائل نفسه عاجزا عن تلبية أبسط طلباتهم، بعدما فقد القدرة على تحريك نصف جسده السفلي.
قد يهمك أيضًا: نداي يوافق على تمثيل الهلال مقابل 270 ألف جنيه إسترليني راتباً أسبوعياً
يقول نائل إن أطفاله لا يفهمون بالضرورة حجم ما حدث له، ولا يستطيعون استيعاب أن والدهم الذي اعتادوا أن يروا فيه مصدر الأمان والقوة، أصبح اليوم طريح الفراش، وحين ينظر إليهم، لا يرى فقط آثار إصابته، بل يرى مسؤولياته التي لم يعد قادرا على القيام بها كما كان يفعل من قبل.
ويتابع نائل :” ينظر الأطفال إلي وينتظرون أن أقف على قدمي لأطعمهم، يسألونني ببراءة الأطفال عن طعامهم وكسوتهم، وأنا لا أملك لهم سوى الدموع والعجز”، إنها بالنسبة إليه معركة أخرى، لا تقل قسوة عن الألم الذي يعيشه جسديا، معركة بين رغبة الأب في حماية أطفاله وتأمين احتياجاتهم، وبين جسد لم يعد قادرا على الاستجابة لما يريده.
ويصف نائل إحساسه بالعجز أمام احتياجات أطفاله بكلمات مؤلمة: “أموت في اليوم ألف مرة وأنا أرى أطفالي يحتاجون لأبسط مقومات الحياة، ولا أستطيع تحريك نصف جسدي السفلي لألبي طلباتهم أو أعمل من أجلهم”.
ورغم كل ما أصابه، لا يزال نائل متمسكا بالأمل في إمكانية تحسن حالته من خلال العلاج والتأهيل، فهو لا يبحث عن المستحيل، ولا يطلب سوى فرصة تمكنه من استعادة جزء من قدرته على الحركة، حتى يستطيع العودة إلى دوره داخل أسرته، حيث يقول: “أنا لا أطلب مستحيلا، بل أطالب بحقي في العلاج والتأهيل، لعل الله يكتب لي الشفاء لأعود وأعيلهم بجهدي”.
بالنسبة إلى نائل، العلاج ليس مجرد جلسات طبية أو تأهيلية، وإنما هو طريق للعودة إلى أطفاله، هو فرصة لأن يستعيد شيئا من حياته التي توقفت بفعل الإصابة، ويعود مرة أخرى أبا قادرا على العمل وتوفير احتياجات أسرته بدلا من أن يبقى أسيرا للفراش والعجز.
وخلف معاناة نائل، تقف أسرة كاملة تنتظر أن يعود إليها سندها، وأطفال صغار لا يريدون أكثر من أن يروا والدهم واقفا على قدميه من جديد.
بين جسد أنهكته الإصابة وقلب أب لا يزال متعلقا بأطفاله، يواصل نائل التمسك بأمله في العلاج والتأهيل، مؤمنا بأن فرصة حقيقية للعلاج قد تعني بالنسبة إليه أكثر من استعادة الحركة، قد تعني استعادة دوره كأب، واستعادة قدرته على العمل، واستعادة جزء من الحياة التي فقدها.




