كل أربع سنوات، ومع إطلاق أول صافرة في بطولة كأس العالم، تعلن كرة القدم عن بدء موسم جديد تمامًا.
لا يقتصر هذا الموسم على المباريات والأهداف والمنافسات الكروية الطاحنة فحسب، بل يمتد ليشهد الظهور المفاجئ لخبراء تكتيك وُلدوا بالأمس القريب، ومحللين اكتشفوا قاعدة التسلل منذ أسبوع واحد فقط، وجماهير تعرف أسماء اللاعبين من منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما تعرف أسماء الأندية التي يلعبون لها.
إنها ظاهرة “المشجع الموسمي” التي تغزو المقاهي والشاشات من القاهرة إلى الرياض، ومن الدار البيضاء إلى بغداد.
في الوقت الذي تمثل فيه كأس العالم فرصة رائعة لجذب عشاق جدد للساحرة المستديرة، يتحول الأمر أحيانًا إلى ساحة من الجدل المزعج والادعاء الذي يثير استفزاز المشجع الحقيقي.
ليس هناك أي عيب في أن يدخل شخص ما عالم كرة القدم لأول مرة، فجميعنا بدأنا من نقطة الصفر في يوم من الأيام.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الفضول البريء إلى ثقة زائدة وادعاء بالمعرفة، ويبدأ هذا المشجع الموسمي في تصحيح المعلومات للمتابعين القدامى، ومجادلتهم في تفاصيل خططية هو نفسه لا يزال يتعلم أبجدياتها.
إن “التنظير” هو الآفة الكبرى للمشجع الموسمي؛ تجده يجلس بثقة، يحلل أخطاء المدربين، ويطلق أحكامًا قاطعة وكأنه بيب جوارديولا، بينما لا يعرف الفارق بين صانع الألعاب ولاعب الارتكاز.
هذا الاستعراض الزائف للمعرفة هو ما يجعل مشجع كرة القدم الأصيل يشعر بالضيق، لأن النقاش يتحول من متعة تبادل الآراء إلى محاولة مرهقة لإثبات البديهيات لمن يرفض الاستماع.
بعيدًا عن ادعاء الخبرة التكتيكية، تفرز بطولات كأس العالم ظاهرة أخرى تتصدر شبكات التواصل الاجتماعي، وهي تحول بعض اللاعبين إلى نجوم “تريند” بسبب وسامتهم أو جاذبيتهم، وليس بسبب أدائهم في الملعب.
تظهر فئة من الجماهير التي يكون هدفها الأساسي هو متابعة الصور، وصناعة المحتوى الساخر (الميمز)، والبحث عن تفاصيل الحياة الشخصية للاعبين.
تصفح أيضًا: صدام رونالدو ومودريتش.. معلومات عن مباراة البرتغال ضد كرواتيا في كأس العالم
تضج منصات التواصل بمنشورات تتساءل: “ما اسم هذا اللاعب؟ هل هو متزوج؟ ما هو حسابه على إنستجرام؟”.
وقد نالت هذه الظاهرة نصيبًا كبيرًا من نجوم بعينهم، على رأسهم حارس منتخب مصر مصطفى شوبير (أوفا)، الذي أصبح فجأة فتى أحلام الكثيرات ومحور أحاديثهن خلال البطولة.
لا يقتصر الأمر على النجوم العرب، بل يمتد إلى لاعبين مثل النرويجي إيرلينج هالاند الذي يمتلك جيشًا من المهووسين بشخصيته القوية والغريبة، بالإضافة إلى نجوم آخرين أمثال الإسباني بابلو جافي، والأرجنتيني رودريجو دي بول.
حيث تُختزل نقاشات المباريات في الحديث عن تسريحة شعر اللاعب أو ابتسامته، بينما تمر أحداث المباراة الحقيقية دون متابعة تذكر.
من السهل جدًا تحويل هذا النقاش إلى هجوم على الفتيات أو اتهامهن بإفساد متعة كرة القدم، لكن هذا الطرح غير منصف أصلًا.
أقول ذلك بصفتي صحفية رياضية، وقبلها فتاة تعشق كرة القدم، وأعرف جيدًا أن الشغف باللعبة لا يرتبط بجنس أو عمر، بل بالمتابعة والفهم والاهتمام الحقيقي.
هناك الكثير من الفتيات يمتلكن وعيًا كرويًا وفهمًا تكتيكيًا يفوق آلاف الرجال، وفي المقابل، هناك شباب يتابعون البطولة فقط من أجل الانخراط في “التريند” أو تشجيع النجوم الأكثر شهرة، دون اهتمام حقيقي بما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
الأزمة إذن ليست مرتبطة بجنس معين، بل بثقافة المشاهدة التي فرضتها السطوة الطاغية لمنصات التواصل الاجتماعي، والتي تميل إلى تسطيح كل شيء وتحويله إلى قصة مصورة أو مقطع قصير خالٍ من المضمون الحقيقي للعبة.
بطولة كأس العالم هي الحدث الأجمل لأنها تمتلك سحرًا خاصًا يجعل أشخاصًا جددًا يقعون في حب كرة القدم كل أربع سنوات، وهذا أمر يستحق الترحيب لا السخرية.
لكن نصيحتنا للمشجع الموسمي بسيطة: إذا قررت دخول هذا العالم، فادخله متفرجًا مستمتعًا أو متعلمًا شغوفًا، ولا تدخله محللًا متعاليًا ينظر إلى الشاشة ليخبر حسام حسن وسكالوني وأنشيلوتي كيف تُلعب كرة القدم!




