تثير العواصف الشمسية قلقًا متزايدًا بين العلماء ووكالات الفضاء، ليس بسبب تأثيرها على الظواهر الطبيعية مثل الشفق القطبي فحسب، بل أيضًا لما قد تسببه من اضطرابات واسعة في البنية التحتية التكنولوجية التي يعتمد عليها العالم ، ومع تزايد الاعتماد على الأقمار الصناعية والإنترنت وشبكات الكهرباء، أصبحت مخاطر هذه الظواهر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
تحدث العواصف الشمسية نتيجة اضطرابات في المجال المغناطيسي للشمس، ما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من الطاقة والجسيمات المشحونة نحو الفضاء ، وعندما تصل هذه الجسيمات إلى الأرض، تتفاعل مع الغلاف المغناطيسي للكوكب، مسببة عواصف جيومغناطيسية قد تؤثر في العديد من الأنظمة التقنية.
وتتنوع هذه الظواهر بين التوهجات الشمسية التي تصل إلى الأرض خلال دقائق، وعواصف الإشعاع، إضافة إلى الانبعاثات الكتلية الإكليلية، وهي الأكثر خطورة لقدرتها على إحداث اضطرابات كبيرة في المجال المغناطيسي للأرض.
تُعد شبكات الكهرباء من أكثر الأنظمة عرضة لتأثيرات العواصف الشمسية، إذ يمكن للتيارات الجيومغناطيسية الناتجة عنها أن تتسبب في ارتفاع حرارة المحولات الكهربائية وإتلافها، ما يؤدي إلى انقطاعات واسعة للكهرباء.
ويستشهد الخبراء بانقطاع التيار الكهربائي الكبير الذي شهدته مقاطعة كيبيك الكندية عام 1989 بسبب عاصفة جيومغناطيسية، وهو مثال على حجم الأضرار التي قد تسببها هذه الظاهرة إذا تكررت بقوة أكبر.
تعتمد خدمات الاتصالات والملاحة والإنترنت بشكل متزايد على الأقمار الصناعية، إلا أنها ليست بمنأى عن تأثيرات النشاط الشمسي، فقد تتسبب الجسيمات المشحونة في إتلاف المكونات الإلكترونية أو حدوث أخطاء في أنظمة التشغيل، كما تؤدي إلى تمدد الغلاف الجوي، ما يزيد من مقاومة الهواء للأقمار الصناعية في المدار المنخفض ويؤثر في ارتفاعها وعمرها التشغيلي.
وسبق أن تسببت عاصفة شمسية عام 2022 في فقدان العشرات من أقمار الإنترنت التابعة لشركة سبيس إكس بعد خروجها عن مداراتها.
تصفح أيضًا: تعلم NotebookLM.. كيف تحلل محتوى يوتيوب والإنترنت وتدمجه بملفاتك؟ (10)
ولا تقتصر المخاطر على الأقمار الصناعية، إذ تؤثر العواصف الشمسية أيضًا في طبقة الأيونوسفير، ما يؤدي إلى تشويش إشارات الراديو وتعطيل بعض أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS)، وهو ما قد ينعكس على حركة الطيران والملاحة البحرية وخدمات الطوارئ.
ورغم أن شبكات الهاتف المحمول الحديثة أقل تأثرًا نسبيًا، فإن حدوث عاصفة شديدة قد يؤدي إلى اضطرابات غير مباشرة إذا تعرضت شبكات الكهرباء أو الأقمار الصناعية لأضرار كبيرة.
يحذر بعض الباحثين من أن العواصف الشمسية العملاقة قد تهدد كابلات الإنترنت البحرية التي تربط القارات ببعضها ، ورغم أن الألياف الضوئية نفسها لا تتأثر بالمجالات المغناطيسية، فإن أجهزة تقوية الإشارة الموجودة على طول الكابلات قد تتعرض للتلف بسبب التيارات الجيومغناطيسية، ما قد يؤدي إلى بطء شديد أو انقطاع في حركة الإنترنت بين القارات.
ويستحضر العلماء باستمرار “حدث كارينجتون” الذي وقع عام 1859، ويُعد أقوى عاصفة شمسية موثقة في التاريخ، آنذاك تعطلت شبكات التلغراف واندلع حريق في بعض محطاتها، بينما امتد الشفق القطبي إلى مناطق غير معتادة.
ويرى الباحثون ، أن تكرار عاصفة مماثلة في العصر الحالي قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة، نتيجة تعطل الكهرباء والاتصالات والإنترنت والأقمار الصناعية، في وقت يعتمد فيه العالم على التكنولوجيا أكثر من أي وقت مضى.
تعمل وكالات الفضاء، وعلى رأسها ناسا والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، على مراقبة النشاط الشمسي وإصدار إنذارات مبكرة عند رصد عواصف قوية ، كما ينصح الخبراء بتعزيز البنية التحتية لشبكات الكهرباء والاتصالات، إلى جانب استخدام مصادر طاقة احتياطية مثل أنظمة البطاريات المنزلية أو وحدات UPS لضمان استمرار تشغيل الأجهزة الأساسية عند الطوارئ.
ورغم أن العواصف الشمسية العملاقة تُعد نادرة للغاية، فإن العلماء يؤكدون أن الاستعداد لها أصبح ضرورة مع تزايد اعتماد العالم على التقنيات الرقمية والفضائية.




