تعتمد أنظمة الحماية التقليدية، مثل كلمات المرور أو بصمة الإصبع، على التحقق من هوية المستخدم لمرة واحدة فقط عند تسجيل الدخول، ولكن المعضلة الأمنية التي تواجه البنوك والشركات اليوم هي: ماذا لو قام شخص موثوق بفتح هاتفه الذكي ببصمته، ثم تركه مفتوحاً على الطاولة ليقوم شخص آخر، أو لص، باختطاف الجهاز واستخدامه؟ هنا تتدخل تقنية أمنية حديثة وفائقة الذكاء تُعرف بـ “المصادقة السلوكية المستمرة”، والتي لا تكتفي بكلمة السر، بل تراقب باستمرار الطريقة التي تتفاعل بها مع جهازك للتأكد من أنك الشخص الحقيقي في كل ثانية.
بحسب تحليل أمني مفصل نشره موقع (ZDNet) الرائد في الأخبار التقنية، فإن هذه التكنولوجيا تستفيد من مستشعرات الهواتف الذكية وخوارزميات التعلم الآلي لإنشاء “بصمة حركية” فريدة لكل مستخدم لا يمكن تزويرها. لا يهتم النظام بما تكتبه، بل يراقب كيف تكتبه؛ سرعة طباعتك على لوحة المفاتيح، مقدار الضغط بإصبعك على الشاشة، الزاوية التي تمسك بها هاتفك عادةً، وحتى إيقاع خطواتك أثناء المشي والهاتف في جيبك. إذا التقط جهازك المحمول نمطاً حركياً غريباً (مثل سرعة كتابة مختلفة، أو ضغطات عصبية سريعة)، فإن النظام يشتبه فوراً بأن الجهاز قد سقط في يد غير مألوفة، ويتخذ إجراءات احترازية.
تعمل هذه التقنية بصمت تام في الخلفية دون أن تزعج المستخدم، وتتم عبر خطوات تقنية دقيقة ومستمرة:
اقرأ ايضا: بسبب حقوق النشر.. ChatGPT يمتنع عن تقليد أساليب الأدباء والمؤلفين
1- جمع البيانات الحركية والتفاعلية: يقرأ النظام البيانات الصادرة عن مستشعرات الحركة (الجيروسكوب ومقياس التسارع) بالإضافة إلى بيانات التفاعل مع الشاشة التي تعمل باللمس أثناء الاستخدام الطبيعي اليومي.
2- إنشاء الملف التعريفي السلوكي (البصمة السلوكية): يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل آلاف النقاط البيانية وبناء نموذج رياضي دقيق يمثل هويتك السلوكية؛ أي طريقتك الحصرية في استخدام الجهاز وتصفح التطبيقات.
3- المراقبة الحية وإغلاق الحساب: يقارن النظام كل تفاعل جديد بالبصمة السلوكية المخزنة لديه. إذا تجاوزت نسبة الاختلاف حداً معيناً، يقوم النظام تلقائياً بتسجيل الخروج من التطبيقات البنكية والمهمة، ويطلب إعادة إدخال البصمة الحيوية أو الرمز السري.
تعتبر هذه التقنية الجدار الدفاعي الأخير والأقوى ضد سرقة الجلسات المفتوحة وحوادث الاحتيال المالي المعقدة، بالنسبة للمستخدم غير المتخصص، يعني هذا أن هاتفك الذكي أصبح يحميك دون أن تضطر لفعل أي شيء إضافي. البنوك وتطبيقات التكنولوجيا المالية بدأت بالفعل في تبني هذه الأنظمة؛ فإذا نجح لص في الحصول على كلمة مرورك وإدخالها لسرقة حسابك، فإن النظام سيرصد ارتباكه، وطريقته الغريبة في استخدام الفأرة، وسرعته غير المعتادة في محاولة تحويل الأموال، ليقوم بإيقاف المعاملة وتجميد الحساب فوراً. إنها تمثل نقلة نحو أمن رقمي “غير مرئي” ولكنه شديد الفعالية.




