حذر مسؤول تنفيذي بارز، من تصاعد القيود والحواجز الرقمية التي تفرضها أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم ( الولايات المتحدة والصين)، معتبراً أنها تشكل ما يشبه “الستار الحديدي الرقمي” الذي يهدد بتقسيم الاقتصاد العالمي.
وأكد أن أوروبا تمتلك فرصة استثنائية للاضطلاع بدور الجسر الموثوق بين المعسكرين، من خلال تبني نهج “التوافق التشغيلي”، في مرحلة وصفها بأنها مفصلية لمستقبل الاقتصاد الرقمي.
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة “سيمنز إيه جي”، رولاند بوش، في مقال نشرته صحيفة “فاينانشيال تايمز” أنه على مدى ثلاثين عاماً، “أعادت التكنولوجيا الرقمية تشكيل الاقتصاد العالمي، حيث ساهمت بشكل كبير في تقريب المسافات بين دول العالم، وأصبحت الأسواق، والتجارة، والإنتاج أكثر ترابطًا عبر الحدود، فمن السيارات والهواتف الذكية، إلى أشباه الموصلات والروبوتات الصناعية، يكاد لا يُصنع أي منتج معقد في مكان واحد فقط”.
واستعرض بوش في مقاله مفارقة التحول من “العولمة واسعة النطاق” إلى نوع آخر من العولمة التي تتخذ “نمطاً إقليمياً”، معتبراً أن عدداً من العوامل تضافرت مثل “جائحة كورونا، وأزمة الطاقة، ونقص العمالة، والتوترات الجيوسياسية جميعها جاء ليكشف عن مدى هشاشة هذا العالم المترابط”، مؤكداً أن “الشركات أخذت الآن في إعادة تقييم أوضاعها، والموازنة بين المرونة، والتكلفة، والكفاءة في قراراتها المتعلقة بالاستثمار، والتوريد، والإنتاج، ونتيجةً لذلك، يبرز شكل إقليمي للعولمة”.
واستطرد في شرح فكرته قائلاً: “بينما ساعدت الثورة الرقمية الأولى الشركات على تنسيق سلاسل التوريد العالمية، تساعد هذه الثورة على جعل الإنتاج أكثر محلية مرةً أخرى؛ إذ يتجه التصنيع نحو الاقتراب من العملاء، مدعوماً بشبكة من الاتصالات الرقمية في البرمجيات، والبيانات، والذكاء الاصطناعي”.
وقال بوش: “في ’المصانع الرائدة’، التي يصنفها ’المنتدى الاقتصادي العالمي’ (دافوس) لأكثر من 200 موقع تصنيع ذكي، رفعت هذه المناهج الجديدة إنتاجية العمل بنحو 40%، وخفّضت وقت تكيُف خطوط الإنتاج إلى النصف تقريباً، لكن توسيع نطاق هذه المكاسب يعتمد على قدرة الآلات، والمصانع، والشركات على تبادل البيانات وإعادة استخدام الحلول”.
وانتقل رئيس سيمنز إلى توصيف المرحلة التي يخوضها الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن لافتاً إلى أن “اقتصاديات البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي تختلف عن ’اقتصاديات الخرسانة والصلب’، حيث لا تزال المصانع، والآلات، والبنية التحتية يتعين بناؤها وتكيفها في كل سوق، لكن على الصعيد الرقمي، يمكن تحسين نموذج رقمي، أو تطبيق برمجي، أو أداة ذكاء اصطناعي في مكان ما، وإعادة استخدامها في أماكن أخرى كثيرة، شريطة أن تتمكن الأنظمة من تبادلها والوصول إلى البيانات ذات الصلة”.
وأضاف “إذا توفرت الظروف المناسبة، يمكن للمصانع تبني التصاميم التي أثبتت فعاليتها لتلبية الاحتياجات المحلية، ويمكن للعمليات المحسّنة أن تنتشر، كما يمكن للمنتجات الوصول إلى أسواق جديدة دون الحاجة إلى إعادة البناء من الصفر في كل مرة”.
تصفح أيضًا: بطول 6 أمتار.. رصد سمكة قرش أبيض قرب سواحل أمريكا يعتقد أنها الأكبر عالميا
ويرى بوش أن “هذا المنطق قوي بما فيه الكفاية لتشجيع الشركات المتنافسة على بناء روابط تسمح للتكنولوجيا بالعمل عبر الحدود الوطنية”.
وحدد رئيس “سيمنز” الوصفة السحرية للوصول إلى الانسجام التشغيلي من وجهة نظره قائلاً: “المعايير المشتركة هي أنجع طريقة لتحقيق ذلك: فالجميع يعمل وفقاً للقواعد نفسها منذ البداية، ويُعدّ ’التوافق التشغيلي’ الحل الأمثل التالي، إذ يسمح للأنظمة المختلفة بالعمل معاً دون أن تصبح متطابقة”، وضرب مثالاً على ذلك قائلاً “لنأخذ مثلاً الجهد الأوروبي الياباني الأخير الذي ربط شبكات صناعية منفصلة في قطاع السيارات، مع احتفاظ كل شبكة ببنيتها الخاصة”.
ورغم الحلول التي طرحها، أكد بوش أن هناك تحديات تواجه مفاهيم “التوافق التشغيلي” مؤكداً أنه: “بينما تبني الشركات جسوراً للتواصل، ترسخ الجغرافيا السياسية الحدود بشكل متزايد، فالفجوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين تعيد تشكيل المشهد العالمي، حيث تسعى الحكومتان إلى مزيد من السيطرة على التقنيات، والبيانات، وسلاسل التوريد، وفي الوقت نفسه تعمل ضوابط التصدير، وقواعد توطين البيانات، ومتطلبات الأمن السيبراني المتباينة على رسم خطوط جديدة في عالم التكنولوجيا”.
وشدد على أن “كل حاجز جديد يُصعّب مهام ربط الأنظمة، وتوسيع نطاق ما هو ناجح، وطرح منتجات أفضل في الأسواق، وإذا استمر هذا التوجه دون رادع، فقد تتحول الحدود الرقمية إلى ’ستار حديدي رقمي’، الأمر الذي يبطئ التقدم، والتجارة، وتبادل الأفكار بين المجتمعات”.
وبينما اعتبر أن ما نشهده حالياً هو “تحدٍ عالمي”، فإنه رأى أن أوروبا، الواقعة بين القوتين التكنولوجيتين العظميين، “لها مصلحة خاصة في إيجاد الحل، وفرصة فريدة لتشكيله، فبدلاً من بناء نظام مغلق آخر، يمكنها أن تصبح حلقة وصل موثوقة: مكاناً تتعاون فيه الشركات، والتقنيات، والبيانات من مختلف المناطق”.
لكن ذلك يتطلب بناء “منظومة جاذبة”، من وجهة نظر رئيس بوش، بحيث تعمل على “تشجع الآخرين على الانضمام إليها، لا يمكن لأوروبا أن تصبح حلقة الوصل العالمية إذا اشتهرت بتنظيم التكنولوجيا بدلاً من ابتكارها، لذا عليها الآن تهيئة الظروف المناسبة للشركات لتؤدي دورها على أكمل وجه”.
وقال “ينبغي أن يصبح ’التوافق التشغيلي’ حتمية استراتيجية للاتحاد الأوروبي، ويعد توسيع السوق الموحدة- للمنتجات والخدمات الرقمية وغيرها- خطوة ضرورية لبناء المصداقية والكفاءة، وحيثما تغيب المعايير المشتركة، يجب أن تكون الأولوية لتطوير واجهات تمكّن من التبديل بين الأنظمة المختلفة، سواء من خلال الشركات، أو التحالفات الصناعية، أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص”.
واختتم الرئيس التنفيذي لـ”سيمنز” مقاله قائلاً: “ينبغي على أوروبا أن تجعل ’التوافق التشغيلي’ حجر الزاوية في دبلوماسيتها الاقتصادية، لا يمكن بناء هذا العالم المترابط بمعزل عن الآخرين، قد تصبح الشراكة التجارية الرقمية الناشئة مع اقتصادات المحيط الهادئ، بما فيها اليابان، وأستراليا، وكندا، نموذجاً واعداً لكيفية دمج مختلف المنظومة”.
واستدرك قائلاً “يبقى السؤال الأهم عالمياً: هل ستُبنى المرونة على الروابط (المشتركة) أم على أنظمة مصممة ليعزل بعضهم بعضا؟”، وأكد أن الإجابة على ذلك السؤال “ستحدد ما إذا كان عالمنا الإقليمي سيظل مترابطاً”.




