من ساحة كنيسة في قلب هارلم، إلى شوارع لوس أنجلوس، وصولًا إلى مدن صغيرة في ولاية أوريجون، لم تكن بطولة كأس العالم 2026 مجرد منافسة رياضية تحسمها الأهداف، بل تحولت هذا الصيف إلى ملاذ آمن ومساحة للتعبير عن الهوية والانتماء لملايين المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد شكلت هذه النسخة المونديالية نقطة التقاء ثقافية جمعت الغرباء حول شاشة واحدة، لتصبح كرة القدم لغة عالمية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
في شوارع نيويورك، إحدى أكثر مدن العالم تنوعًا، كان من المستحيل الهروب من أجواء المونديال، خلف كنيسة في هارلم، حول مهاجر من غرب إفريقيا ساحة مهملة إلى ما أسماه “قرية كأس العالم 2026”.
خلال مباريات المنتخبات الإفريقية، التي سجلت حضورًا تاريخيًا في هذه النسخة، كانت هذه القرية تضج بالحياة.
وحتى تحت زخات المطر ورائحة الدخان الخانقة، رفض المشجعون المغادرة أثناء مباراة الأرجنتين وإنجلترا، حيث رفعوا المظلات وتجمعوا لمشاهدة الدقائق الأخيرة، في مشهد يجسد الروح الجماعية التي تميز مجتمعات المهاجرين، بعيدًا عن نمط الحياة الفردي السريع في أمريكا.
لم تقتصر هذه المشاهد على نيويورك؛ ففي أحياء مثل “مصر الصغيرة” و”السنغال الصغيرة”، منحت البطولة المهاجرين فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس بعيدًا عن ضغوطات السياسة وتحديات الهجرة، ووفرت لهم مساحة للاحتفال بتراثهم علنًا.
في ولاية نيو جيرسي، وتحديدًا في منطقة باترسون المعروفة باسم “فلسطين الصغيرة”، شكلت البطولة متنفسًا للمجتمعات العربية التي تعاني من تداعيات الأزمات السياسية في الشرق الأوسط.
تصفح أيضًا: ضربة موجعة لبرشلونة.. إصابة دي يونج تخلط أوراق هانز فليك
في ظل غياب منتخب فلسطين، تضامنت الجماهير بحماس مع المنتخبات العربية الأخرى، معتبرين كرة القدم وسيلة للتلاحم وتناسي الآلام.
شهدت بطولة كأس العالم 2026 مباريات تحمل طابعًا تاريخيًا استثنائيًا؛ ففي سان فرانسيسكو، تجمعت الجماهير السنغالية لمشاهدة مباراة فريقها أمام فرنسا، في مواجهة تحمل دلالات استعمارية عميقة.
في سانت لويس، لم تكن خسارة البوسنة والهرسك أمام أمريكا نهاية الحكاية، بل كانت المشاركة بحد ذاتها انتصارًا لجيل فر من ويلات الحرب، ليجد أبناؤه اليوم فرصة لتشجيع وطن لم يعرفوه إلا عبر حكايات الآباء.
أما الجالية الكونغولية في مدينة هيوستن، فقد عاشت لحظات توحد غير مسبوقة بعد عودة منتخبها للبطولة بعد غياب طويل، متجاوزين كل الانقسامات القبلية ليثبتوا أن الرياضة قادرة على توحيد الصفوف.
في المناطق الحدودية مثل سان دييجو، أذاب كأس العالم 2026 فكرة الولاء المطلق لفريق واحد؛ الجماهير ذات الأصول المكسيكية وجدت نفسها ممزقة بحب بين أمريكا والمكسيك، ليختار الكثيرون تشجيع المنتخبين معًا في دلالة واضحة على تعايش الهويتين بسلام.
في مدينة وودبيرن بولاية أوريجون، التي تعتمد على العمالة الزراعية اللاتينية وتعيش أجواء مشحونة بسبب قوانين الهجرة، أعادت مسيرة المنتخب المكسيكي في المونديال الروح إلى شوارعها، ومنحت سكانها شعورًا بالأمان والوطن الذي افتقدوه كثيرًا.
حتى العلاقات الدبلوماسية وجدت طريقها إلى المدرجات، كما حدث بين الجماهير المكسيكية والكورية الجنوبية في لوس أنجلوس، حيث تشكلت صداقة قوية منذ مونديال 2018، استمرت وتطورت في هذه النسخة تحت شعار “الكوري.. أخ”.
مع استمرار منافسات البطولة، يثبت كأس العالم 2026 أنه أكثر من مجرد منافسة رياضية؛ لقد كان هذا المونديال بمثابة جسر تواصل، ومنصة حية سمحت لملايين المهاجرين في أمريكا بالاحتفال بجذورهم، وتخفيف آلامهم، وإثبات أن اللعبة الجميلة هي الملاذ الأخير الذي يتسع للجميع مهما اختلفت ألوانهم أو لغاتهم.

