الرئيسيةالرياضةكيف أنهى كأس العالم حرب استمرت 30 عامًا في البوسنة والهرسك؟

كيف أنهى كأس العالم حرب استمرت 30 عامًا في البوسنة والهرسك؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

لم تكن مشاركة منتخب البوسنة والهرسك في الأدوار الإقصائية لبطولة كأس العالم 2026 مجرد قصة رياضية عن فريقٍ صغير حقق إنجازًا تاريخيًا.

قد يبدو الأمر بالنسبة للمشجع العادي مجرد مباراة كرة قدم بين دولة عظمى وبلدٍ أوروبي صغير لا يتجاوز عدد سكانه 3.4 مليون نسمة.

لكن بالنسبة للبوسنيين، هذا ليس مجرد فريق يتنافس على العشب الأخضر، بل هو معجزةٌ حية تسير على قدمين، وفريقٌ كروي استطاع أن يداوي جراح حرب دموية مزقت البلاد قبل 30 عامًا!

بكل المقاييس المنطقية، هذا الفريق لم يكن ليُوجد أصلًا! ففي عام 1995، شهدت البلاد أبشع جرائم التطهير العرقي خلال مذبحة سريبرينيتسا، حيث قُتل أكثر من 8000 رجل وفتى.

اليوم، العديد من نجوم هذا المنتخب هم أبناء ناجين من تلك المذبحة، أو أبناء عائلات فرت من جحيم الحرب وبنت حياتها في المنافي.

لاعبون مثل النجم إزمير بايراكتاريفيتش، الذي وُلد في الولايات المتحدة لأبوين هاربين من سريبرينيتسا، اختاروا تمثيل وطنهم الأم.

لقد أصبح الشتات البوسني -الذي كان يومًا دليلًا على المأساة- هو أعظم نقاط القوة لمنتخب البوسنة.

شبابٌ نشأوا في أمريكا، السويد، وألمانيا، اجتمعوا ليُثبتوا أن الهوية الوطنية لا تُقاس بمكان الولادة، بل بالانتماء الحقيقي الذي يسري في الدماء.

منذ اتفاقية دايتون للسلام عام 1995، غطت البوسنة في مستنقع السياسة القومية المقيتة، حيث يتم توزيع المناصب والوظائف بناءً على الانتماء العرقي (مسلم، صربي، كرواتي) بدلًا من الكفاءة، مما خلق طبقة سياسية تعيش على بث الخوف والفرقة.

نوصي بقراءة: نقاط قوة سويسرا ضد الجزائر.. أسلحة يمتلكها مراد ياكين لإيقاف زحف محاربي الصحراء

لكن في معسكر المنتخب، قلب المدرب سيرجي بارباريز الطاولة على الجميع؛ لا يوجد هنا مكان للعرقية أو الدين؛ فاللاعب ينضم للفريق لأنه “يستحق”، والمركز يُنتزع بـ “الأداء”.

لقد حول بارباريز المنتخب إلى نظامٍ قائم على الجدارة الصارمة؛ على أرض الملعب، لا يمرر اللاعب الكرة لزميل مسلم أو صربي أو كرواتي، بل يمررها لزميله الأقرب لشباك الخصم.

هذا الفعل البديهي في عالم كرة القدم، يُعد بمثابة ثورة وانقلاب على النظام السياسي القائم في البلاد!

هذا المنتخب الذي يُمثل دولةً واحدة موحدة، ضرب على وترٍ حساس لدى السياسيين القوميين؛ فقد كشفت التقارير أن السلطات في بعض المدن البوسنية ذات الأغلبية الصربية حاولت منع أو تقييد احتفالات الجماهير بانتصارات المنتخب!

لماذا؟ لأن فريقًا قادرًا على توحيد المواطنين من كافة الأعراق تحت راية وفرحة واحدة، يُشكل تهديدًا مباشرًا لمشروعهم السياسي القائم على تقسيم الناس وإقناعهم بأنه لا يوجد مستقبل مشترك يجمعهم.

لنكن واقعيين، كرة القدم لن تحل الأزمة الدستورية في البوسنة، ولن تُصلح الاقتصاد المنهار أو توقف هجرة الشباب.

لكنها فعلت ما هو أهم؛ لقد منحت الشعب الأمل، الجيل الحالي من اللاعبين ورثوا آلام الحرب، لكنهم رفضوا أن يرثوا أحقادها.

بغض النظر عن نتيجة مباراتهم أمام أمريكا في دور الـ32 من كأس العالم، فقد انتصر هؤلاء الشبان بالفعل.

لقد أثبتوا طوال 90 دقيقة أن الجدارة تهزم التفرقة، والثقة تقهر الخوف، وأن البوسنة والهرسك يمكن أن تكون وطنًا واحدًا يتسع للجميع.. شريطة أن يلعبوا بروح “فريق كرة قدم”!

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات