دائمًا ما ننتظر انطلاق بطولات كأس العالم بشغف؛ نعد الأيام لنرى النجوم يركضون على العشب الأخضر، ونستمتع بهتافات الجماهير التي ترج الملاعب.
لكن، هل فكرت يومًا فيما يحدث خلف الكواليس؟ بعيدًا عن سحر الأهداف وتكتيكات المدربين، هناك صافرة أخرى تُطلق في الخفاء؛ صافرة البداية لمباراة اقتصادية طاحنة!
مباراة لا يكون فيها الفائز دائمًا هو من يسجل الأهداف، بل من يُجيد استغلال الفرص. فهل استضافة كأس العالم 2026 هي فرصة ذهبية للمدن المضيفة، أم أنها فخ اقتصادي مُكلف؟ دعونا نغوص في لغة الأرقام.
تخيل معي هذا المشهد: مدينة هادئة تستيقظ فجأة على طوفان بشري. مئات الآلاف من المشجعين يتدفقون، الفنادق ترفع لافتة “كامل العدد”، والمطاعم تعمل على مدار الساعة.
يبدو الأمر وكأنه منجم ذهب، أليس كذلك؟ ولكن، دعنا نُدقق في الصورة أكثر. هذا الحدث العالمي الضخم يُدار عبر نظامين ماليين منفصلين تمامًا.
الأول هو نظام الفيفا العالمي الذي يبتلع الكعكة الأكبر من الإيرادات المباشرة؛ حقوق البث التلفزيوني (التي تُمثل حوالي 45% من الأرباح)، الرعاة العالميين، ومبيعات التذاكر.
في المقابل، هناك النظام الاقتصادي المحلي للمدينة المضيفة في كأس العالم 2026، والذي يتعين عليه تحمل العبء الأكبر: تأمين الشوارع، إعداد الملاعب، وإعادة هيكلة البنية التحتية.
الفيفا يربح المليارات، بينما تواجه المدينة ضغوطًا هائلة قد تنتهي بالكاد بتغطية التكاليف!
القصة ليست جديدة؛ فالتاريخ يُخبرنا بأن الأحلام الكروية قد تتحول إلى كوابيس اقتصادية، لنتذكر معًا ما حدث في البرازيل عام 2014.
قد يهمك أيضًا: إبراهيموفيتش: كدت أبكي بسبب ما قدمه كاب فيردي ضد الأرجنتين
حينها أنفقت الدولة مليارات الدولارات لبناء ملاعب ضخمة في مدن نائية، لينتهي بها المطاف كـ “أفيال بيضاء” لا تُستخدم وتُكلف الدولة أموالًا طائلة لصيانتها، ناهيك عن الغضب الشعبي الذي اندلع بسبب توجيه الأموال للرياضة بدلًا من الخدمات الأساسية.
لكن، يبدو أن كأس العالم 2026 قد استوعب الدرس؛ لأول مرة، يُقام الحدث في ثلاث دول (الولايات المتحدة، المكسيك، وكندا)، هذا التوزيع الذكي يهدف لتخفيف الضغط وتقاسم المخاطر المالية.
الأهم من ذلك، أن البطولة ستعتمد بشكل كبير على الملاعب الموجودة بالفعل، مما يقلل من شبح الإنفاق المفرط على البناء.
مع ذلك، لا تزال التكاليف اللوجستية مرعبة؛ فمدينة مثل فوكسبورو الأمريكية احتاجت لجمع ملايين الدولارات فقط لتغطية نفقات الأمن المحلي!
عندما تُنفق المدن المضيفة أموالها، فهي تراهن دائمًا على “الإرث”؛ تمامًا كما بنَت باريس “برج إيفل” لمعرضها العالمي عام 1889 وأصبح أيقونتها الخالدة، تحلم المدن التي تستضيف كأس العالم 2026 بأن تترك البنية التحتية، والمواصلات المحسنة، والسمعة السياحية المرموقة، أثرًا إيجابيًا يمتد لعقود.
لكن، هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ ففي حين استفادت الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم 1994 لإطلاق دوري المحترفين (MLS) وصنع سوق رياضي مستدام، عانت مدن أخرى من الديون وصيانة المرافق غير المستغلة.
عندما تُطلق صافرة النهاية ويتوج البطل في كأس العالم 2026، ستبدأ مباراة من نوع آخر في مكاتب المحاسبين والسياسيين.
كأس العالم ليس مجرد احتفال رياضي يستمر لشهر، بل هو مغامرة اقتصادية معقدة؛ قد تخرج منها المدن المضيفة بـ “إرث” يضعها على خريطة السياحة العالمية، وقد تخرج مثقلة بديونٍ تدفع ضريبتها الأجيال القادمة.
لذا، استمتعوا بالمباريات، لكن تذكروا دائمًا أن الفاتورة الحقيقية لم تُدفع بعد!




