الرئيسيةالاخبار العاجلةفرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

طوت العدالة الفرنسية صفحة عقود طويلة من الصمت والإنكار التاريخي، معلنةً رسمياً تصنيف حملات الاعتقال والتهجير الجماعي التي شهدها الميناء القديم بمدينة مرسيليا، إبان الحرب العالمية الثانية، المعروفة تاريخياً بـ«رافل Vieux-Port»، بوصفها «جريمة ضد الإنسانية».

ناجون وأفراد من عائلات ضحايا مداهمات الميناء القديم (1943) يتجمعون في قصر العدل بمرسيليا – 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

هذا القرار التاريخي، الذي صدر يوم الأربعاء، 30 سبتمبر (أيلول) 2026، يمثل تحولاً جوهرياً في تعاطي الدولة الفرنسية مع إرثها المرتبط بفترة الاحتلال النازي وتواطؤ نظام «فيشي» التابع له، واضعاً حداً لمعاناة عائلات الضحايا والناجين الذين انتظروا هذا الاعتراف الأخلاقي والقانوني لأكثر من ثمانية عقود.

جاء هذا التطور القضائي البارز ثمرةً لتحقيقات معقدة ومطولة باشرتها النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا منذ عام 2019، إثر دعوى قضائية جماعية حركها ناجون وأبناء الضحايا ممن رفضوا الاستسلام لنسيان المأساة. وأوضح المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستان، خلال مؤتمر صحافي عقده في قلب مدينة مرسيليا، أن الفظائع التي ارتُكبت في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من عام 1943، وما رافقها من عمليات هدم ممنهجة وتهجير قسري، تستوفي بالكامل الشروط القانونية الصارمة لتصنيفها ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، وهي الجرائم ضد الإنسانية.

صورة التُقطت في مارس 1945 تظهر الدمار الذي حلّ بحي الميناء القديم في مرسيليا (أ.ف.ب)

تعود فصول هذه الفاجعة التاريخية إلى مطلع عام 1943، وتحديداً في الفترة الممتدة بين الثاني والعشرين والرابع والعشرين من يناير، عندما نفَّذت القوات النازية الألمانية بالتعاون المباشر والتنسيق الأمني الوثيق مع الشرطة الفرنسية التابعة لحكومة «فيشي»، عملية عسكرية وأمنية واسعة النطاق أطلق عليها النازيون اسم «عملية سلطان».

كانت الخطة النازية تهدف إلى تطهير الأحياء التاريخية المحيطة بالميناء القديم في مرسيليا، التي كانت تُعتبر آنذاك معقلاً للمقاومة الشعبية، وحاضنة للمهاجرين والفقراء واللاجئين من مختلف الجنسيات، فضلاً عن كونها ملاذاً لآلاف اليهود الفارّين من بطش الآلة الهتلرية.

ولم يكن الدور الفرنسي في هذه العملية مجرد إذعان لإملاءات المحتل، بل تجسد في تواطؤ إداري وأمني قادته شخصيات بارزة في نظام «فيشي»، مثل رينيه بوسكيت، رئيس الشرطة الفرنسية في ذلك الوقت.

وتحت غطاء «تطهير» المدينة وإعادة تنظيمها المدني، طوقت قوات الأمن الأحياء الشعبية القديمة، واقتحمت المنازل في ساعات الصباح الأولى، لتبدأ واحدة من أبشع عمليات التهجير الجماعي في التاريخ الفرنسي الحديث، وسط أجواء من الرعب والذعر خيمت على المدينة الساحلية.

حملات الاعتقال والتهجير الجماعي التي شهدها الميناء القديم بمدينة مرسيليا والمعروفة تاريخياً بـ«رافل Vieux-Port» (ويكيبيديا)

اقرأ ايضا: موسكو تُصعِّد لهجتها ضد «الانخراط الأوروبي» في الحرب وترحِّب بـ«هدنة الطاقة»

ولم تتوقف حدود الجريمة عند الاعتقال والتهجير، بل تعدتها إلى محو الهوية العمرانية والاجتماعية لقلب مرسيليا النابض؛ ففي الأسابيع التي تلت المداهمات الأولى، وتحديداً في فبراير 1943، أقدمت القوات الألمانية باستخدام المتفجرات على نسف وتدمير حي «سان جان» التاريخي بالكامل، وهو حي يعود تاريخه إلى قرون مضت ويمثل روح الميناء القديم.

تحولت البيوت والمتاجر والأزقة الضيقة إلى ركام من الغبار في غضون أيام قليلة، مما أسفر عن محو أكثر من 1500 مبنى تاريخي، وتشريد نحو 20 ألف مواطن من سكان المنطقة الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى وبلا هوية.

وتشير السجلات التاريخية الرسمية التي استندت إليها التحقيقات القضائية إلى أن العملية أسفرت عن اعتقال وترحيل أكثر من 1600 شخص بشكل فوري إلى معسكرات الاعتقال والفرز.

ومن بين هؤلاء الضحايا، جرى شحن قرابة 800 شخص من الطائفة اليهودية في قطارات الموت المتجهة مباشرة إلى معسكرات الإبادة النازية في أوروبا الشرقية، حيث قضى معظمهم هناك، ولم يعد منهم سوى قلة نادرة حملت ندوب المأساة في ذاكرتها حتى الأيام الأخيرة من حياتها.

صورة التُقطت في مارس 1945 تظهر الدمار الذي حلّ بحي الميناء القديم في مرسيليا (أ.ف.ب)

ويحمل قرار القضاء الفرنسي اليوم أبعاداً رمزية وقانونية بالغة الأهمية؛ إذ يسهم في إعادة كتابة التاريخ الرسمي وإدراج هذه القضية في الذاكرة الوطنية الجماعية كجريمة ارتكبتها الدولة الفرنسية بالشراكة مع المحتل.

وأكد الحقوقيون المتابعون للملف أن هذا التصنيف يمنح عائلات الضحايا والناجين رد الاعتبار المعنوي والإنساني الذي طال انتظاره، ويعيد الاعتبار لمدينة مرسيليا التي ظلت لعقود تحمل جرحاً غائراً لم يندمل جراء الصمت الإداري المطبق.

صورة التُقطت في أبريل 1945 تظهر الدمار الذي حلّ بحي الميناء القديم في مرسيليا ( أ.ف.ب)

ومع ذلك، أعلنت النيابة العامة الفرنسية في الوقت ذاته حفظ القضية وإغلاق الشق الجنائي منها رسمياً، وذلك لسبب قانوني قاهر يعود إلى انقضاء الدعوى العمومية بوفاة جميع المسؤولين والمخططين والمنفذين المباشرين لهذه الجريمة، سواء من الجانب الألماني أو من مسؤولي نظام فيشي الفرنسي.

ورغم غياب الأحكام الجنائية والعقوبات بحق الجناة الذين رحلوا عن العالم، فإن الحكم القضائي الصادر اليوم يظل وثيقة إدانة تاريخية أبدية، وانتصاراً معنوياً كبيراً للذاكرة في مواجهة النسيان.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات