الرئيسيةالرياضةعلى عكس الآخرين.. كيف نجح منتخب مصر في جمع الشعوب العربية على...

على عكس الآخرين.. كيف نجح منتخب مصر في جمع الشعوب العربية على محبته؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

عادةً ما تُعرف كرة القدم بأنها اللعبة التي تُفرق الأصدقاء، وتُشعل منصات التواصل الاجتماعي بالتعصب، وتصنع حدودًا كروية بين الدول.

لكن يبدو أن سحر الفراعنة في كأس العالم 2026 قد قرر كسر هذه القاعدة تمامًا!

مع إطلاق صافرة نهاية الملحمة الكروية أمام أستراليا وتأهل منتخب مصر لدور الـ16، لم تكن شوارع القاهرة والإسكندرية وحدها هي التي تضج بالاحتفالات، بل امتدت الأفراح لتغطي خريطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

في مشهد استثنائي، أثبتت الساحرة المستديرة أن مصر العروبة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي حقيقة تتجلى عندما يركض 11 مقاتلًا بقميص الفراعنة على العشب الأخضر.

لطالما شهدت منصة “إكس” معارك طاحنة ومناوشات كروية ساخرة بين الجماهير المصرية والسعودية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقارنات الأندية بين الأهلي والزمالك وعمالقة الرياض مثل الهلال والنصر.

كانت لغة الحوار لا تخلو من الإيفيهات المتبادلة حول فريق “الطعمية” وكتيبة “الكبسة”! لكن بمجرد أن انطلقت مسيرة الفراعنة في المونديال، ذابت كل هذه المناوشات في لمح البصر.

غصت منصات التواصل بتغريدات السعوديين التي تعبر عن فرحة جنونية، وعلق الكثيرون بسخرية محببة: “اكتشفنا فجأة أننا نحب مصر أكثر من أنفسنا!”.

في مدرجات الملاعب الأمريكية، كان المشهد يذيب القلوب؛ حيث وقف المشجع السعودي بالعقال يهتف بجوار المشجع المصري، ليثبتوا أن مزاح السوشيال ميديا يختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بتمثيل العرب في المحافل الدولية.

إذا تحدثنا عن المنافسة الكروية الشرسة، فلن نجد أقوى من ديربيات الشمال الإفريقي بين مصر والجزائر وتونس والمغرب، تاريخ طويل من الشد والجذب، لكن في مونديال 2026، تبدل الحال كليًا.

رغم خروج بعض المنتخبات العربية مبكرًا أو عدم تأهلها من الأساس، إلا أن الجماهير الجزائرية تحديدًا سجلت حضورًا طاغيًا في أمريكا لمساندة الفراعنة.

اختفت تمامًا رواسب الماضي الكروي، وظهرت الجماهير الجزائرية بأعلامها الخضراء والبيضاء تندمج مع الأعلام المصرية، وتهتف من أعماق قلبها.

لقد أدرك الأشقاء في الشمال الإفريقي أن نجاح الفراعنة هو انتصار للكرة العربية جمعاء، وأن دماء العروبة تغلب دائمًا أي تعصب رياضي.

لعل المشهد الأكثر تأثيرًا وإبكاءً في هذه البطولة، هو ما جاءنا من حيث يسكن الوجع.

في غزة، ورغم قسوة الحرب وحطام المنازل، تجمعت العائلات حول شاشات صغيرة متقطعة البث لمتابعة اللقاء، وفي لبنان، تحدى المشجعون ظروفهم القاسية وخرجوا للاحتفال.

لقد كانت كرة القدم بمثابة متنفسهم الوحيد، وكان انتصار الفراعنة بمثابة ضوء أمل يخبرهم بأن الفرح ممكن.

زاد من هذه اللُّحمة الوطنية ذلك المشهد الاستثنائي للمدرب الوطني حسام حسن وهو يرفع علم فلسطين، في رسالة واضحة للعالم أجمع بأن مصر لا تنسى أشقاءها حتى في أوج احتفالاتها.

قد يهمك أيضًا: إبراهيم حسن: لا نرى ميسي حتى نخاف من مواجهته

لترد الجماهير في غزة ولبنان وكذلك سوريا الحب بحبٍ أكبر، مهللين لانتصارات كتيبة الفراعنة وسط الركام.

لم تقتصر الفرحة على دول بعينها؛ بل تحولت شوارع الكويت والأردن والعراق والإمارات إلى ساحات احتفال بالسيارات والأبواق.

في اليمن وليبيا والسودان، توحدت القلوب خلف الشاشات، كما بادرت الشخصيات الرسمية والرياضية في العديد من الدول بتقديم تهنئات حارة عبر القنوات الرسمية ومواقع التواصل.

المثير في الأمر أن العديد من هذه الشعوب قد ودعت منتخباتها المنافسات أو لم يحالفها الحظ بالمشاركة، لكنهم لم يشعروا باليتم الكروي؛ لأنهم ببساطة اعتبروا أنفسهم يمتلكون فريقًا بديلًا يحمل اسم “مصر”.

لقد تحول قميص المنتخب الأحمر إلى زي رسمي لكل مواطن عربي يبحث عن ممثل يرفع رأسه بين كبار اللعبة.

السؤال الأهم هنا ليس: هل أحب العرب منتخب مصر؟ بل: لماذا أحبوه بهذا الشكل، ولماذا بدا الأمر أوضح من تجارب أخرى؟ الإجابة تبدأ من أن مصر ليست مجرد بلد كبير في المنطقة، بل مركز قديم لفكرة العروبة نفسها، سياسيًا وثقافيًا وفنيًا ورياضيًا.

حين يتحرك منتخبها في بطولة كبرى، فإنه لا يتحرك بصفته فريقًا وطنيًا فقط، بل حاملًا لذاكرة طويلة من الحضور العربي.

أضف إلى ذلك أن المنتخب المصري لم يظهر في هذه النسخة بصورة متعالية أو متباهية، بل بصورة فريق يقاتل، يتعثر، ثم ينهض، ويحمل معه قضايا الناس وعواطفهم.

من فلسطين إلى مشاهد الجماهير العربية في المدرجات، ومن خطاب حسام حسن إلى احتفالات المصريين التي بدت مفتوحة للجميع، تكرست صورة منتخب يشعر العرب بأنه منهم، لا مجرد منتخب يمر أمامهم على الشاشة.

ثم هناك عنصر لا يمكن تجاهله: المصريون أنفسهم؛ فمهما اشتبكوا مع العرب في مزاح الكرة، ومهما دخلوا في نقاشات عبثية حول من اخترع الفول ومن صاحب أفضل طبق أرز، فإنهم يملكون قدرة هائلة على تحويل المنتخب إلى مساحة احتفال مفتوحة.

الناس تنجذب إلى الفرح حين يكون صادقًا؛ ربما لهذا بدا منتخب مصر، في لحظة التأهل، كأنه مائدة عربية طويلة؛ عليها الطعمية والكبسة والمقلوبة والكسكسي والمندي، وعلى رأسها علم مصر، والجميع مختلفون على الوصفة، لكنهم متفقون على الاحتفال.

مصر، بطبيعتها، تملك ذلك السحر الخاص الذي يجعلها قريبة من القلوب مهما تعاقبت السنوات وتبدّلت الظروف؛ بلدٌ إذا فرح فرح معه الجميع، وإذا انتصر شعر كثيرون أن جزءًا منهم قد انتصر أيضًا.

هناك شيء في المصريين تحديدًا يصعب مقاومته: خفة روح، وطيبة حاضرة، وقلب نقي، وقدرة نادرة على المسامحة واحتواء الآخرين، وكأنهم يتركون في كل بيت عربي أثرًا صغيرًا لا يزول.

لهذا، أثبتت هذه النسخة من كأس العالم أن الرياضة قادرة على توحيد ما أفسدته السياسة أو الأزمات، لم يلعب منتخب مصر من أجل 100 مليون مصري فقط، بل كان يحمل على عاتقه أحلام أكثر من 400 مليون عربي.

بين مزاح “الكبسة والطعمية”، ودموع الفرح في غزة، وهتافات الجزائريين في أمريكا، نجحت مصر في أن تكون -كعادتها- أم الدنيا وحضنًا يتسع للجميع.

طالما أن الفراعنة يركضون على العشب، ستبقى نبضات القلوب العربية موحدة تهتف بصوت واحد: “عمار يا مصر!”.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات