قال الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وأمين اللجنة الاقتصادية بالمجلس، إن حرق الكنائس لم يكن يومًا اعتداءً على مبانٍ أو دور عبادة فحسب، وإنما كان حريقًا في جسد الوطن ومحاولة متعمدة لضرب فكرة الدولة الوطنية ذاتها، واستهدافًا مباشرًا لقيم المواطنة والعيش المشترك التي قام عليها المجتمع المصري عبر تاريخه.
وأكد ممدوح أن استهداف الكنائس والمواطنين المسيحيين على أساس هويتهم الدينية يمثل جريمة مكتملة الأركان أخلاقيًا وإنسانيًا وحقوقيًا، لأن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية وحماية دور العبادة ليست منحة من أحد، وإنما حقوق أصيلة يكفلها الدستور وتلتزم الدولة بحمايتها لجميع المصريين دون تمييز.
وأضاف: «حين تُحرق كنيسة في مصر، فالمستهدف ليس المواطن المسيحي وحده، وإنما كل مصري؛ لأن الكنيسة جزء من تاريخ هذا الوطن وذاكرته وهويته، والاعتداء عليها اعتداء على مصر نفسها.»
وأوضح أن ما شهدته مصر من اعتداءات متزامنة على الكنائس والمنشآت والممتلكات القبطية في أعقاب أحداث أغسطس 2013 يجب ألا يُقرأ باعتباره مجموعة حوادث منفصلة، بل باعتباره واحدة من أخطر محاولات توظيف الدين في الصراع السياسي وتحويل الخلاف السياسي إلى فتنة دينية يدفع ثمنها المجتمع بأكمله.
اقرأ ايضا: النائب أيمن محسب: الحكومة تعيد رسم خريطة استثمار أصول الدولة
وشدد ممدوح على أن أخطر ما يمكن أن تفعله التنظيمات المتطرفة هو نقل الصراع من المجال السياسي إلى المجال الديني، وتصنيف المصريين وفق عقائدهم، وتحويل مواطنين أبرياء ودور عبادتهم إلى أهداف للانتقام السياسي، مؤكدًا أن هذه الممارسات تكشف الوجه الحقيقي لأي فكر يقوم على الإقصاء والتكفير والتحريض ويضع الانتماء للتنظيم فوق الانتماء للوطن.
وأشار إلى أن التجربة المصرية أثبتت في المقابل قوة النسيج الوطني، وأن محاولات إشعال الفتنة اصطدمت بوعي شعبي كبير؛ فالمصري المسلم أدرك أن حماية الكنيسة هي حماية لوطنه، كما أن حماية المسجد مسؤولية كل مصري، وهو الوعي الذي أفشل الرهان على تقسيم المجتمع إلى طوائف متصارعة.
وأكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تكون انتقائية؛ فكما نتذكر الضحايا وكل لحظة سالت فيها دماء مصرية، يجب أن نتذكر أيضًا الكنائس التي أُحرقت، والمنازل والمنشآت التي تعرضت للاعتداء، والمواطنين الذين استُهدفوا بسبب عقيدتهم، لأن توثيق هذه الجرائم ليس استدعاءً للكراهية أو رغبة في الانتقام، وإنما حماية لوعي الأجيال الجديدة وضمانة لعدم تكرارها.
واختتم الدكتور محمد ممدوح تصريحه قائلًا ان مصر دفعت ثمنًا كبيرًا عندما حاول البعض أن يجعل من الدين سلاحًا في مواجهة الوطن. واليوم يجب أن تكون رسالتنا واضحة: لا مكان في الجمهورية الجديدة لتمييز بين مسلم ومسيحي في الحقوق والواجبات، ولا تسامح مع خطاب يحرض على الكراهية أو يستهدف دور العبادة. الكنيسة والمسجد كلاهما جزء من حرمة الوطن، ومن يمد يده بالنار إلى أحدهما لا يعتدي على طائفة، وإنما يعتدي على مصر كلها. وحماية وحدتنا الوطنية ليست مجرد شعار سياسي؛ إنها قضية أمن قومي وحق من حقوق الإنسان ومسؤولية مشتركة لا يجوز التهاون فيها.




