في ليلة باريسية حالمة، لم يكن القصر الكبير (Grand Palais) مجرد مسرح اعتيادي للموضة، بل تحول إلى منصة تتقاطع فيها العوالم الأدبية الكلاسيكية مع رؤية مستقبلية جريئة. تحت سماء مزدحمة بطيور النورس التي بدت وكأنها تحلق عالياً، تجاوز عرض شانيل ربيع وصيف 2027 كل التوقعات، ليثبت المدير الإبداعي ماثيو بلازي (Matthieu Blazy) أن الموضة يمكن أن تكون رواية تُقرأ، وقصيدة تُعاش.
في ختام أسبوع الموضة في باريس، طغى الطابع الأدبي بوضوح على أجواء العرض، فمع تصاعد الإضاءة وتحرك طيور النورس لتبدو وكأنها تدب فيها الحياة، اعتلت النجمة نيكول كيدمان (Nicole Kidman) المشهد لتلقي مقتطفاً من رائعة الكاتبة فرجينيا وولف “أورلاندو” (Orlando) الصادرة عام 1928.
ومع تمازج أصوات الطيور كجوقة يونانية قديمة مع الإيقاعات الموسيقية النابضة، انتقل الحضور ذهنياً إلى أجواء روائع الأدب العالمي مثل “النورس” لأنطون تشيخوف، و”الطيور” لدافني دو مورييه.
A post shared by CHANEL (@chanelofficial)
منذ اللحظة الأولى في عرض Chanel، أسر بلازي أنظار الحاضرين بإطلالة افتتاحية حملت عبق التاريخ وتمرداً خفياً. أطلت العارضة ديانيرا هوربوشر (Dyanira Hurbuscher) مرتدية فستاناً شفافاً بطول الركبة (Slip dress) ينسدل بنعومة فوق تصميم يحاكي الملابس الداخلية الكلاسيكية. لكن السحر الحقيقي كمن في التفاصيل؛ فقد جاءت حافة الفستان مهترئة عمداً، وكأن طيوراً قد نهشتها في مشهد يحمل بصمة المخرج ألفريد هتشكوك. ولتكتمل اللوحة، حملت العارضة حقيبة (2.55) الأصلية، المستعارة خصيصاً من الأرشيف الشخصي لغابرييل شانيل نفسها.
توالت الـ 83 إطلالة لتأخذنا في رحلة بصرية تتدرج من الشفافية المطلقة إلى الكثافة المتقنة عبر فنون الحياكة. برزت بدلات التويد الأيقونية ذات الخصر المنخفض، والتي زُينت هذه المرة بلمسات من “الكورسيه” الإدواردي، مصحوبة بقلائد كريستالية تتلألأ كالألعاب النارية حول أعناق العارضات. ولم تغب أزهار الكاميليا التي انبثقت من ياقات الفساتين المستوحاة من سحر العشرينيات والثلاثينيات.
ولفهم عبقرية بلازي في عرض شانيل ربيع وصيف 2027، يجب التركيز على التفاصيل الدقيقة (Zoom in). فقد ظهرت تصاميم تعمدت إظهار “عدم الاكتمال”؛ مثل سترة بدون أكمام بكتف غير محاك بالكامل، أو بطانة جيب مطبعة بالزهور تظهر بعفوية. هذه اللمسات جاءت بمثابة رد فني متمرد على حالة “الكمال المصطنع” التي تفرضها خوارزميات العالم الرقمي اليوم، لتؤكد أن الجمال يكمن في العملية الإبداعية ذاتها.
نوصي بقراءة: دانا الحلاني تدخل القفص الذهبي مدنياً بإطلالة رومنسية
تصميم تعمد إظهار عدم الاكتمال
في الثلث الأخير من العرض، قدم بلازي لوحة بصرية تشبه تنقية الحواس (Palette cleanser). ظهرت تنانير مزينة، مصنوعة من طبقات من القماش الأبيض الشفاف الذي يرفرف مع خطوات العارضات، في تضاد ساحر مع صداريات (Bodices) متينة من الجلد.
وشهد العرض مفاجآت جريئة كسرّت الكلاسيكية المعهودة؛ كإدخال طبعات الحمار الوحشي الملونة، واسترجاع صيحات أوائل الألفية (Y2K) عبر الأحزمة العريضة جداً التي تعانق الأوراك، والترتر البراق الذي تمايلت به العارضات على أنغام أغنية (Gimme More) لنجمة البوب بريتني سبيرز. أما أزياء السهرة، فتجسدت في فساتين خفيفة كنسيج العنكبوت، تحاكي في ألوانها زرقة سماء الصيف الصافية وعمق الليالي المرصعة بالنجوم.
عارضة بطعبهة الحمار الوحشي الملونة
لخّص ماثيو بلازي فلسفته في الملاحظات المرفقة بالعرض قائلاً: “تتحول النساء طوال حياتهن إلى ذوات متعددة، كأوجه مختلفة لعملة واحدة. إنه يشبه اللعبة السريالية الفنية التي تقود فيها هوية إلى أخرى… هنا، نتحدث عن امرأة واحدة، غابرييل، التي أصبحت فيما بعد شانيل”.
واكتملت رحلة العرض بصورة دائرية مثالية؛ انطلاقاً من تصاميم “اللانجري” الشفافة في البداية، وصولاً إلى التجسيد الأحدث لبدلة شانيل عبر نسيج “التويد المطاطي” (Smocked Tweed) المبتكر. وفي الختام، ظهر معطف “الترنش” الكلاسيكي، ترافقه حقيبة (Minaudière) على شكل قفص طيور فُتح بابه وطارت طيوره، في إشارة رمزية إلى الحرية المطلقة. بعد هذا العرض، بات من الصعب حقاً التمييز أين ينتهي صوت غابرييل شانيل.. وأين يبدأ صوت ماثيو بلازي.
A post shared by CHANEL (@chanelofficial)




