نفى مكتب محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والممثل الخاص لشؤون الصين، أن تكون بكين قد اشترطت إعادة فتح مضيق هرمز ووقف تحصيل الرسوم وتسوية خلافات طهران مع الولايات المتحدة والسعودية، مقابل زيارة رئيس البرلمان الإيراني إلى الصين أو توسيع العلاقات بين البلدين.
واستهدف النفي تصريحات حسين مرعشي، الأمين العام لحزب « كاركزاران سازندكي» (كوادر البناء)، أحد أبرز الأحزاب المرتبطة بإرث الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، بعدما نقل عن الجانب الصيني قائمة من أربعة مطالب قال إنها أُبلغت إلى طهران «بوضوح شديد».
وفي بيان رسمي، أعلن مكتب قاليباف أن «نسبة مثل هذه الشروط إلى الجانب الصيني، والادعاء بأن زيارة الممثل الخاص وتطوير العلاقات بين البلدين مشروطان بتحقيق القضايا المطروحة، يفتقران إلى الصحة».
وشدد البيان على أن العلاقات بين طهران وبكين تستند إلى «الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والشراكة الاستراتيجية الشاملة»، وأن التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري بينهما مستمر.
وحذر المكتب وسائل الإعلام والسياسيين من نشر «أخبار وتفسيرات وتكهنات غير مؤكدة» بشأن علاقات إيران الخارجية، مضيفاً أن «العلاقات الخارجية والمصالح الوطنية ليست ساحة للمنافسات والصراعات الفئوية والإعلامية».
ودخلت وزارة الخارجية الإيرانية سريعاً على خط السجال، إذ وصف علي أصغر محمدي، المدير العام لشرق آسيا والمحيط الهادئ، رواية مرعشي بأنها غير صحيحة.
وأوضح محمدي أن الادعاء بطرح الصين شروطاً تتعلق بالعلاقات الثنائية «غير واقعي»، مشيراً إلى أن قيادتي البلدين «مصممتان على الحفاظ على العلاقات وتعزيزها في جميع المجالات ذات الاهتمام المشترك».
ودعا المسؤول الإيراني التيارات السياسية إلى الامتناع عن طرح أو ترويج معلومات «لا أساس لها في الواقع».
وكان مرعشي قد نقل، في مقابلة مع موقع «إكو إيران»، رسالة قال إن بكين وجهتها إلى الجانب الإيراني قبل زيارة قاليباف المرتقبة.
مرعشي على يمين بزشكيان خلال لقاء جمع الأخير بأعضاء حزب “سازندكي” في نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)
ونسب إلى الصينيين قولهم: «قالوا لنا بوضوح شديد: تفتحون مضيق هرمز، ولا تحصلون رسوماً، وتحلون مشكلتكم مع السعودية وأميركا، وبعد ذلك يأتي قاليباف إلى الصين».
ولم يحدد مرعشي مصدر المعلومات أو الجهة الصينية التي نقلت تلك الرسالة، كما لم يصدر عن بكين إعلان علني يتضمن شروطاً مماثلة.
ويتولى قاليباف منذ مايو (أيار) مهمة الممثل الخاص لإيران في شؤون الصين، بتكليف اقترحه الرئيس مسعود بزشكيان وحظي بموافقة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وتشمل مهمته تنسيق القطاعات المختلفة للعلاقات بين طهران وبكين، خصوصاً تنفيذ اتفاقية التعاون المشتركة لمدة 25 عاماً، لكنه لم يزر الصين حتى الآن بهذه الصفة.
وتحولت القضية سريعاً إلى مواجهة سياسية وإعلامية بين التيارات الإيرانية. ووصفت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني، تصريحات مرعشي بأنها «كذب»، واتهمته بمحاولة الإضرار بعلاقات إيران مع شركائها الشرقيين، مستخدمة لغة شديدة ربطت تصريحاته بالسياسة الأميركية تجاه طهران.
وكتبت الصحيفة أن مرعشي يقدم نفسه، بحسب تعبيرها، في دور «ممهّد الطريق لسياسات البيت الأبيض»، واتهمته بالسعي إلى «تسميم» العلاقات الاستراتيجية مع الصين من الداخل.
وسلك موقع «رجا نيوز»، المرتبط بـ«جبهة الصمود» المتشددة، والقريب من سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، المسار نفسه، وهاجم مرعشي بحدة، معتبراً أن روايته تجاوزت حدود «خطأ تحليلي» إلى نشر معلومات غير صحيحة تمس ملفاً حساساً في السياسة الخارجية.
وتساءل النائب المتشدد مالك شريعتي، العضو في كتلة «بايداري»، عما إذا كانت تصريحات مرعشي بشأن العلاقة مع الصين «كاذبة»، ولماذا لم تتقدم الرئاسة أو مكتب رئيس البرلمان، بصفته الممثل الخاص لشؤون الصين، بشكوى قضائية ضده.
وكتب شريعتي على منصة «إكس»: «لماذا لا يشكو مكتب الرئاسة ومكتب رئيس البرلمان من السيد مرعشي؟ ولماذا لا تتحرك السلطة القضائية ضده؟». وأضاف: «إذا كان مجرد النفي كافياً، فلماذا لم يُكتفَ بالنفي في حالات مشابهة، ولجأوا إلى تقديم شكاوى؟».
أما صحيفة «قدس»، المقربة من دوائر «الحرس الثوري» وفريق قاليباف، فركزت على توقيت التصريحات، ورأت أن طرحها خلال الحرب يمنح خصوم إيران مادة يمكن استخدامها في المواجهة الإعلامية.
وذهبت صحيفة «فرهيختغان» القريبة من مكتب علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، إلى التذكير بالخلاف الأوسع داخل النظام بشأن اتجاه السياسة الخارجية، متهمة فصيل هاشمي رفسنجاني، بالسعي إلى تقويض مسار العلاقات مع الشرق لمصلحة سياسة تقوم على خفض التوتر مع واشنطن.
صحيفة “جار سوق” المقربة من فريق الرئيس السابق إبراهيم رئيسي تهاجم مرعشي وتصفه براعي مصالح أميركا
وذهبت الانتقادات أبعد من التشكيك في صحة المعلومات، وتناولت خلفية مرعشي السياسية، باعتباره أحد أبرز ممثلي التيار الذي دافع تاريخياً عن الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي وخفض كلفة المواجهة الخارجية.
نوصي بقراءة: قاليباف: تنفيذ التفاهم مع الولايات المتحدة صعب لكنه ممكن
وانضمت صحيفة «تشارسوق»، المرتبطة بدوائر حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إلى منتقدي مرعشي، واعتبرت تصريحاته محاولة من الإصلاحيين للإضرار بالعلاقات الإيرانية – الصينية.
وأشارت الصحيفة إلى النفي الصادر عن مكتب قاليباف، وقالت إن الادعاء بفرض الصين الشروط الأربعة «لم تطرحه حتى وسائل الإعلام الأميركية»،
وخصصت صحيفة «تشارسوق» المحافظة مساحة بارزة للهجوم على مرعشي، تحت عنوان «حافظ منافع أميركا في إيران»، واتهمت الإصلاحيين بمحاولة تخريب العلاقات بين طهران وبكين. واستندت إلى نفي مكتب قاليباف، معتبرة أن الحديث عن شروط صينية لإعادة لم تطرحه حتى وسائل الإعلام الأميركية.
واتهمت مرعشي بإثارة القضية من داخل إيران في مرحلة حساسة من العلاقات مع بكين. وربطت تصريحاته بالخلاف الداخلي حول توجه إيران شرقاً، واتهمته بتقديم رواية تخدم الضغوط الأميركية على طهران في مرحلة تحاول فيها واشنطن تشديد عزل إيران اقتصادياً ودفع شركائها، وفي مقدمتهم الصين، إلى تقليص التعامل معها.
وقال مصطفى نجفي، مستشار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، إن تصريحات مرعشي بشأن «شروط» صينية محددة «غير دقيقة»، لكنه أشار إلى أن بكين تريد من طهران توضيح اتجاه سياستها في ملفات حساسة، تشمل مضيق هرمز والعلاقات مع دول المنطقة ومستقبل الملف النووي.
وبحسب رواية نجفي، لا تطالب الصين بالضرورة بأن تفتح إيران المضيق فوراً، إنما تريد معرفة السياسة التي ستتبعها طهران حياله، والأهداف المرتبطة بها، والظروف التي سيُفتح أو يُغلق بموجبها، والمدة التي يمكن أن يستمر خلالها الوضع الحالي.
وشرح أن الأولوية الصينية تتمثل في «تقليص مستوى الغموض وعدم اليقين»، بما يسمح لبكين بتقدير المخاطر وتنظيم خططها الاقتصادية والاستراتيجية.
وتزامنت الضجة التي أثارها مرعشي مع مرحلة أكثر تعقيداً في علاقات الصين بكل من إيران والولايات المتحدة، بعدما تحوّل أمن طرق الطاقة والملاحة إلى أحد الملفات الرئيسية في الحرب.
وتعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران والمستورد الرئيسي للنفط الإيراني، ما يجعل استمرار الملاحة في مضيق هرمز مسألة مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة الصيني.
وفي المقابل، صعّدت واشنطن ضغوطها على الشركات والمصافي والمؤسسات الصينية التي تتعامل مع إيران، ولوحت خلال الحرب بتوسيع العقوبات على الجهات التي تشتري النفط الإيراني أو توفر لطهران قنوات مالية وتجارية.
وخلال زيارة ترمب إلى الصين في مايو، قال الرئيس الأميركي إن نظيره شي جينبينغ يتفق معه على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، بينما أعلن البيت الأبيض أن شي يعارض تحصيل رسوم على عبور السفن.
ولم تعلن بكين استعدادها للضغط على طهران وفق الشروط الأميركية. كما رفضت تقارير عن تزويد إيران بأسلحة ووصفتها بأنها «افتراءات لا أساس لها»، في حين قال ترمب إن شي أبلغه أنه لن يرسل معدات عسكرية إلى إيران.
وعارضت الصين، خلال اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين أواخر أغسطس (آب) ومطلع سبتمبر (أيلول)، بنداً يدعو إلى «العبور الحر والآمن والقابل للتنبؤ» عبر مضيق هرمز، وفق صحيفة «هم ميهن»، إلى جانب اعتراضها على بنود أخرى في الوثيقة.
وفي الوقت نفسه، دعت بكين مراراً إلى استعادة الملاحة الطبيعية في المضيق. وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي في يونيو (حزيران) إن استقرار حركة الشحن عبر هرمز ضروري لسلاسل الإنتاج والتجارة العالمية.
وتواجه الصين في الوقت نفسه اضطراباً في مسارين رئيسيين لتجارتها وإمداداتها. وأدى تدهور أمن الملاحة في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات سفن وارتفاع تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا، بينما زادت الحرب حول مضيق هرمز المخاطر التي تهدد تدفق إمدادات الطاقة إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين.
وتحاول واشنطن استثمار هذه المصالح لدفع بكين إلى ممارسة ضغط أكبر على طهران، بالتوازي مع العقوبات على الشركات الصينية المرتبطة بتجارة النفط الإيرانية.
أما الصين فتسعى إلى حماية تدفقات الطاقة والتجارة من دون الانضمام إلى حملة العزل الأميركية أو التخلي عن علاقتها الاستراتيجية مع إيران.
ملف عمره 25 عاماً
يرتبط السجال أيضاً بالمهمة التي أسندت إلى قاليباف للإشراف على ملف الصين، وهي مهمة كانت في السابق من اختصاص شخصيات ذات صلة وثيقة بمركز القرار الإيراني.
وتولى علي لاريجاني الدور في مرحلة سابقة، وأسهم في المفاوضات التي انتهت بتوقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي والتجاري لمدة 25 عاماً بين إيران والصين عام 2021.
وأصبح قاليباف أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الإيرانية خلال الحرب، خصوصاً بعد رئاسته الوفد الإيراني في مفاوضات إسلام آباد مع الولايات المتحدة في أبريل (نيسان).
وفي أحدث تواصل على مستوى القادة، لم يعقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال القمة السادسة والعشرين لمنظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك، واقتصر تواصلهما على حديث قصير أثناء دخولهما إلى قاعة القمة.
وينتمي مرعشي إلى جيل سياسي مختلف داخل المؤسسة الإيرانية. فهو من أبرز شخصيات التيار الإصلاحي المعتدل، وشغل منصباً كنائب للرئيس محمد خاتمي، وسبق أن كان نائباً في البرلمان ورئيساً لمكتب رفسنجاني، كما أنه شقيق زوجة الرئيس الأسبق.




