تواصل الولايات المتحدة تحركاتها لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتساع نطاق التوتر في المنطقة وامتداده إلى ممرات مائية استراتيجية أخرى، بالتزامن مع استمرار الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران ودخول الحرب شهرها السابع.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إن القوات الأميركية تواصل العمل على إبقاء مضيق هرمز «مفتوحاً وآمناً» أمام حركة الملاحة التجارية، مشيراً إلى تسهيل عبور أكثر من مليار برميل من النفط الخام عبر المضيق خلال الشهرَين الماضيَين.
وأضاف كوبر أن القوات الأميركية ساعدت في عبور أكثر من 2000 سفينة تجارية، مؤكداً أن ممرات العبور الرئيسية خالية من الألغام، وأن آلاف السفن تواصل استخدام هذا الممر المائي الحيوي.
وأوضح أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها على زيادة حركة الملاحة عبر المضيق، لافتاً إلى أن حجم نقل النفط والبضائع خلال الأسبوعَين الماضيَين بلغ أعلى مستوياته مقارنة بالأشهر الستة السابقة.
وفي المقابل، تواصل واشنطن تشديد ضغوطها الاقتصادية على طهران. وقال كوبر إن الولايات المتحدة تفرض حصاراً صارماً على صادرات النفط الإيرانية، مضيفاً أن إيران لم تتمكن، وفق قوله، من تصدير أي برميل نفط في ظل الإجراءات الأميركية.
كما تعمل الولايات المتحدة مع حلفائها في المنطقة على تعزيز قدراتهم الدفاعية، خصوصاً في مواجهة الطائرات المسيّرة. وقال كوبر: «نعمل على تشكيل وحدة جديدة مشتركة لمواجهة المسيرات الهجومية».
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب متعثرة. وكانت الولايات المتحدة وإيران قد أعلنتا مرتَين، في أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، اتفاقَين لوقف إطلاق النار بهدف استعادة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، لكن الاتفاقين انهارا سريعاً.
وفي 13 يوليو (تموز)، أعادت الولايات المتحدة حصار موانئ إيران، وفرضت قيوداً على حركة سفنها، في مسعى للضغط على طهران وحرمانها من عائدات النفط، التي تمثّل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة للبلاد.
عراقجي في لقاء سابق مع نظيره الباكستاني إسحاق دار (الخارجية الإيرانية)
وفي موازاة الضغوط العسكرية والاقتصادية، تكثّف باكستان اتصالاتها مع طهران بشأن التطورات الإقليمية وانعكاساتها على أمن الطاقة والملاحة.
وبحث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار ونظيره الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي، الأوضاع في المنطقة، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية. وأكد الوزير الباكستاني أهمية استمرار إمدادات الطاقة دون انقطاع، وضمان انسيابية حركة الملاحة في الشرق الأوسط، مشدداً على أن «الحوار والدبلوماسية هما السبيل الوحيد الفعّال لضمان السلام والاستقرار في المنطقة».
واتفق الوزيران على الحفاظ على تعاون وثيق، وعلى عقد لقاء في نيويورك على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
اقرأ ايضا: واشنطن تشدد حصار إيران وتقيّد عبور السفن في هرمز
وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية قد أفادت، يوم الجمعة، بأن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير حثّ إيران على كبح جماح الحوثيين، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر. كما كانت وسائل إعلام إيرانية قد ذكرت مؤخراً أن عراقجي بحث مع منير التطورات الإقليمية خلال اتصال هاتفي جرى في أثناء زيارة الوزير الإيراني إلى بكين، في وقت لا تزال فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران تراوح مكانها دون اتفاق واضح.
طائرات حربية تتبع جيش كوريا الجنوبية (القوات الجوية الكورية الجنوبية)
وفي سياق الجهود الدولية المرتبطة بأمن الملاحة في «هرمز»، أوضحت الرئاسة الكورية الجنوبية أن تصريحات الرئيس لي جاي ميونغ، التي استبعد فيها إرسال قوات قد «تورّط» البلاد في حرب، لا تمثل رفضاً لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من سيول إرسال قوات إلى المضيق.
وجاء التوضيح بعد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» اعتبر تصريحات لي، خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة، بمثابة رفض للدعوة الأميركية إلى تعاون عسكري كوري جنوبي في الشرق الأوسط. ونقلت وكالة «يونهاب» عن مسؤول في الرئاسة الكورية، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن لي «لم يرفض» طلب ترمب بشأن التعاون في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط.
وأضاف المسؤول أن الحكومة «تدرس سبلاً عملية للإسهام في تواصل وثيق مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، بهدف حماية مواطنينا وصون المصالح الوطنية».
وأكد أن سيول ستواصل بحث خيارات ملموسة، مع التمسك بمبدئها المعلن المتمثل في عدم التدخل في أي حرب أو قتال.
وتعكس هذه المواقف حساسية مسألة المشاركة العسكرية في تأمين مضيق هرمز، في ظل سعي واشنطن إلى توسيع التعاون الدولي لحماية الملاحة، من دون دفع حلفائها إلى الانخراط المباشر في القتال.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
وتأتي هذه التطورات بعدما لوّح الرئيس الأميركي ترمب بإمكانية العودة إلى التصعيد العسكري ضد إيران، في وقت تسعى فيه إدارته إلى تحديد مسار المرحلة المقبلة من الحرب، بين استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق أو الدفع باتجاه تسوية دبلوماسية.
وقال ترمب، في مقابلة مع موقع «أكسيوس» الإخباري، إنه يقترب من «منعطف حاسم» بشأن الحرب، متحدثاً عن المفاضلة بين التدخل العسكري ضد إيران وعدم القيام بذلك، ومضيفاً أن الأمر يمثّل «قراراً كبيراً»، وأن «أي شيء يمكن أن يحدث».
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق أن الحرب ستنتهي قريباً، لكن مسؤولين أميركيين حذروا من أن الصراع دخل مرحلة من الجمود «غير قابلة للاستمرار»، في وضع لا يشبه حرباً شاملة ولا سلاماً مستقراً.
وحسب هؤلاء المسؤولين، أبقى ترمب ووزير الحرب بيت هيغسيث على مستوى القوات الأميركية في الشرق الأوسط حتى نهاية العام، تحسباً لاحتمال العودة إلى عمليات قتالية واسعة النطاق.
ومع استمرار الجمود السياسي والعسكري، تبدو حماية الممرات البحرية الرئيسية، وعلى رأسها «هرمز» و«باب المندب»، أحد أبرز محاور التحرك الأميركي والدولي، في وقت يرتبط فيه أمنها مباشرة بتدفق النفط والتجارة العالمية وبمسار الصراع الأوسع في المنطقة.




