لم يكن سقوط جماعة الإخوان الإرهابية مجرد أزمة سياسية عابرة، وإنما كشف عن مأزق أعمق داخل بنيتها الفكرية، يتعلق بالفجوة بين المستقبل المتخيل الذي ظلت تبشر به أعضاءها، وبين تعقيدات الواقع الذي اصطدمت به عند الاقتراب من إدارة الدولة.
وفي قراءة تكشف الجانب الزمني في تفكير التنظيم، يفكك سامح فايز، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية والمنشق عن الجماعة، كيف تحولت أدبيات المظلومية والانتظار إلى اختبار قاسٍ أمام مسؤوليات السلطة.
وأكد سامح فايز، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية والمنشق عن جماعة الإخوان، أن فهم الحركات الإسلامية لا يمكن أن يقتصر على دراسة أفكارها السياسية أو بنيتها التنظيمية أو علاقتها بالدولة، وإنما يتطلب النظر إلى تصورها الخاص للزمن، وطريقة تعاملها مع الماضي والحاضر والمستقبل، باعتبارها عناصر أساسية في تشكيل هويتها وطريقة تفكيرها وسلوكها.
وأوضح فايز أن جانبًا كبيرًا من الدراسات التي تناولت الحركات الإسلامية انشغل بالعقيدة والتنظيم والسياسة، بينما لم يحظَ البعد الزمني بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم أهميته في تفسير قدرة هذه الحركات على الاستمرار والصمود أمام الأزمات، أو عجزها عن التكيف مع التحولات والمتغيرات.
واستند الباحث إلى أفكار المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك، الذي ميز بين “فضاء الخبرة” المرتبط بالماضي، و”أفق التوقع” المرتبط بالمستقبل، موضحًا أن الحركات الإسلامية تنتمي إلى نمط من التنظيمات التي تبني جانبًا مهمًا من هويتها على صورة مستقبلية تسعى إلى الوصول إليها، بحيث يصبح المستقبل جزءً من تعريف الجماعة لنفسها، وليس مجرد هدف سياسي بعيد.
وأشار سامح فايز إلى أن جماعة الإخوان، منذ تأسيسها، لم تقدم نفسها باعتبارها استجابة مؤقتة لأزمة سياسية أو اجتماعية، وإنما طرحت نفسها كمشروع تاريخي طويل المدى، ارتبط في أدبياتها بمفاهيم مثل “النهضة” و”التمكين” و”استعادة الدور الحضاري للأمة”.
وأضاف أن الانضمام إلى الجماعة لم يكن، وفق هذا التصور، مجرد مشاركة في نشاط سياسي أو دعوي، وإنما انخراطًا في مشروع يمتد عبر الأجيال، وهو ما منح أعضاء التنظيم شعورًا بأنهم يشاركون في مسار تاريخي أكبر من حياتهم الفردية، ويعملون لتحقيق غاية مؤجلة قد لا تتحقق نتائجها بصورة فورية.
ولفت إلى أن هذا البعد الزمني تعمق مع تطور الفكر الحركي، خاصة في كتابات سيد قطب، التي نظرت إلى الحاضر باعتباره مرحلة انتقالية بين واقع يُنظر إليه باعتباره غير مكتمل، ومستقبل إسلامي مأمول. ومن هذا المنطلق اكتسبت مفاهيم مثل “الطليعة المؤمنة” و”إعادة بناء المجتمع” أهمية داخل مشروع يتجاوز الواقع القائم، ويركز على الانتقال إلى واقع آخر في المستقبل.
اقرأ ايضا: “الصديقية” تفعّل بروتوكول تعاون مع “الرياضة” لتنفيذ أنشطة بمراكز شباب الجيزة
وأوضح فايز أن المستقبل في الفكر الحركي لا يمثل مجرد هدف سياسي، بل يتحول إلى مصدر للمعنى والهوية، إذ يستطيع العضو أن يعرف نفسه من خلال ما ينتظر تحقيقه مستقبلًا، بقدر ما يعرف نفسه من خلال دوره الحالي داخل التنظيم.
وأشار إلى أن ما يمكن وصفه بـ”المستقبل المتخيل” يقدم للأتباع صورة ذهنية لعالم أكثر عدالة وانسجامًا، وتتحول هذه الصورة إلى آلية نفسية وتنظيمية تساعد على تحمل التضحيات والصعوبات وتأجيل النتائج، دون أن يؤدي غياب النتائج الفورية بالضرورة إلى انهيار الإيمان بالمشروع.
ويرى الباحث أن هذه الآلية منحت التنظيمات العقائدية قدرة على الاستمرار خلال فترات الأزمات، لكنها حملت في الوقت نفسه نقطة ضعف، تتمثل في احتمال أن تصبح الصورة المثالية للمستقبل أكثر حضورًا من القراءة الواقعية للظروف المحيطة، بما يصنع فجوة بين التصور النظري والواقع المتغير.
وتناول سامح فايز مفهوم “المظلومية” باعتباره أحد العناصر التي وظفتها بعض الحركات في إدارة علاقتها بالزمن، موضحًا أن الأزمات والهزائم لا يجري التعامل معها، داخل السردية التنظيمية، باعتبارها بالضرورة نهاية للمشروع، وإنما يمكن إعادة تفسيرها باعتبارها مراحل اختبار وابتلاء، بما يعزز التماسك الداخلي ويدعم الاعتقاد بأن المشروع لا يزال مستمرًا نحو المستقبل.
وأضاف أن هذا التصور يسمح للتنظيم بتحويل الفشل أو التراجع إلى محطة مؤقتة داخل رواية أكبر، بدلًا من اعتباره حكمًا نهائيًا على قدرة المشروع على تحقيق أهدافه، وهو ما يساعد على استمرار خطاب الانتظار والتمسك بالغاية المؤجلة.
وأكد الباحث أن الاختبار الأصعب أمام تلك الحركات ظهر عندما انتقلت من مواقع المعارضة والدعوة إلى الاقتراب من السلطة أو ممارستها، حيث وجدت نفسها أمام أسئلة عملية تختلف عن الأسئلة التي تطرحها مرحلة المعارضة، وتتعلق بإدارة مؤسسات الدولة والاقتصاد والتعددية الاجتماعية والعلاقات الدولية وغيرها من الملفات المعقدة.
وأوضح أن إدارة الدولة تفرض التعامل مع الحاضر بتفاصيله وتشابكاته، ولا تكتفي بالشعارات أو الوعود المستقبلية، وهو ما يكشف الفارق بين القدرة على بناء تنظيم عقائدي قادر على الانتظار طويلًا، وبين امتلاك أدوات إدارة واقع يومي شديد التعقيد.
وأشار فايز إلى أن التجارب التي مرت بها الحركات الإسلامية أظهرت أن امتلاك مشروع فكري وتنظيمي طويل المدى لا يعني بالضرورة امتلاك الأدوات اللازمة لإدارة الدولة، خاصة عندما تنتقل الجماعة من موقع المراقب أو المعارض إلى موقع المسؤول عن قرارات تمس الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات والعلاقات الخارجية.
وأكد سامح فايز أن الأزمة التي واجهها الإسلام الحركي خلال العقود الأخيرة لا يمكن اختزالها في أزمة تنظيم أو أزمة سلطة فقط، وإنما ترتبط أيضًا بطريقة تعامله مع الزمن، خاصة عندما يصطدم “المستقبل المتخيل” بمتطلبات الحاضر.
وأضاف أن الانتقال من خطاب يقوم على انتظار التمكين إلى واقع يتطلب اتخاذ قرارات يومية، يكشف مدى قدرة أي حركة سياسية أو فكرية على التكيف مع الواقع، وإدارة الاختلاف، والتعامل مع المؤسسات والمجتمع، والاستجابة للاحتياجات الفعلية للمواطنين.
واختتم الباحث حديثه بالتأكيد على أن التحدي الرئيسي أمام تلك الحركات في المستقبل يتمثل في قدرتها على الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق الإدارة، ومن التركيز على الوعود الكبرى إلى التعامل مع القضايا اليومية للمجتمعات، مشيرًا إلى أن استمرار أي حركة فكرية أو سياسية يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن بين قراءة الماضي، وتطلعات المستقبل، ومتطلبات الحاضر، بدلًا من الاكتفاء بصورة مستقبلية متخيلة لا تختبرها تعقيدات الواقع.




