يعرف العالم بأسره أن دونالد ترامب يعشق الأضواء، ويهوى تصدر العناوين، ويتقن فن الصراخ الرقمي عبر منصاته الاجتماعية ليظل دائمًا في مركز الانتباه.
لكن، ومع انطلاق أكبر حدث كروي وثقافي على وجه الأرض في عقر داره، لاحظ الجميع مفارقة غريبة: أين ترامب من كأس العالم 2026؟
لماذا يغيب رئيس الولايات المتحدة، المعروف بضجيجه المستمر، عن 22 يومًا وأكثر من 82 مباراة أُقيمت حتى الآن، مكتفيًا بمنشورٍ خافت يتباهى فيه بعدد الحضور الجماهيري القياسي؟
خلف هذا الصمت المتعمد والغياب المريب، تكمن استراتيجية سياسية أعمق، واعتراف مبطن بأن الساحرة المستديرة لا تخضع لقواعد اللعبة الترامبية!
اعتمد ترامب طوال مسيرته السياسية على استراتيجية إغراق الساحة بالضجيج؛ هو يعلم أن الولايات المتحدة تعيش فوضى من تعدد الأصوات والمصالح، لذا قرر أن يكون صوته هو الأعلى والأكثر تناقضًا واستفزازًا ليهيمن على المشهد.
ولكن، عندما يتعلق الأمر بحدث عالمي بحجم كأس العالم، يبدو أن ترامب قرر استنساخ كتالوج بوتين 2018.
ففي مونديال روسيا، التزم فلاديمير بوتين الصمت إلى حدٍ كبير، تاركًا البطولة تُقدم بلاده كدولة منفتحة ومضيافة، دون أي تصريحات استفزازية أو قمع علني.
ترامب يفعل الشيء ذاته الآن؛ لا يُريد أن يُصبح الهدف في أسابيع يترقب فيها العالم بأسره أي زلة لسان أو قرارٍ مثير للجدل.
لقد توقفت فجأة حملات ترحيل المهاجرين في المدن المضيفة، وهدأت التوترات، وكأن أمريكا ارتدت قناع الدولة المثالية طوال فترة البطولة.
قد يهمك أيضًا: رسميًا.. توتنهام هوتسبير يُعلن التعاقد مع ماتيوس فيرنانديز
بعيدًا عن السياسة الدولية، هناك تفسير أبسط وأكثر إنسانية لغياب الرئيس: “الكبرياء الحساس”؛ يدرك ترامب جيدًا أن شعبيته ليست في أفضل أحوالها في العديد من الولايات المستضيفة، وخاصة في الساحل الغربي وكاليفورنيا.
لقد جرب شعور المنبوذ عندما تعرض لصافرات استهجان مدوية أثناء حضوره نهائيات دوري كرة السلة الأمريكي (NBA) في نيويورك.
كرة القدم لا ترحم؛ فجماهير كأس العالم المفعمة بالحماس قادرة على تحويل أي ظهور علني له إلى ساحة استهجان عالمية، وهو مشهد لا يُريد أن يُسجله التاريخ أو تنقله شاشات التلفاز إلى خصومه السياسيين.
لعل السبب الأعمق وراء هذا الغياب يكمن في طبيعة كرة القدم ذاتها. فرغم بريقها المالي والنخبوي، تظل هذه الرياضة متمردة، وعصية على التطويع لخدمة الأيديولوجيات الإقصائية.
تُمثل بطولات كأس العالم انتصارًا للتنوع الثقافي، والاحتفاء بالمغتربين، وإبرازًا لنجاحات المهاجرين.
خذ على سبيل المثال منتخب أمريكا للرجال الذي يتألف من نسيج متنوع يُمثل أمريكا الحقيقية، أو منتخب فرنسا المكتظ بالنجوم من أصول إفريقية وعربية يتألقون تحت راية واحدة.
هذا المشهد المتسامح والمندمج لا يتناسب أبدًا مع خطاب رئيسٍ بنى مجده السياسي على تشويه الآخرين، وبناء الجدران، وإقصاء الأقليات.
لا تخدعنكم الأرقام التي يتباهى بها ترامب حول حجم المونديال، فغيابه عن المدرجات ليس صدفة، بل هو “انسحاب تكتيكي” مدروس.
لقد أدرك الرئيس أن كأس العالم 2026 ليس مجرد بطولة رياضية، بل هو مهرجان للشعوب التي لا يمكن السيطرة على هتافاتها بتغريدة غاضبة.
لذا.. يبدو أن كرة القدم نجحت في فعل ما فشلت فيه السياسة؛ لقد أجبرت دونالد ترامب على الجلوس في الظل والمشاهدة بصمت!




