تحولت معركة مكافحة الاحتكار ضد جوجل إلى اختبار أوسع لقدرة السلطات الأمريكية على الحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، بعدما رفضت محكمة أمريكية إجبار الشركة على بيع منصة “إيه دي إكس” لتبادل الإعلانات عبر الإنترنت.
ويمثل الحكم انتصارًا مهمًا لجوجل، ليس فقط لأنه أبقى على أحد مكونات نشاطها في مجال تكنولوجيا الإعلانات، وإنما لأنه يضيف إلى سلسلة من الأحكام التي لم تستجب بالكامل لمحاولات السلطات الأمريكية تفكيك أو بيع أصول رئيسية لشركات التكنولوجيا الكبرى.
وتدور القضية حول الطريقة التي تدير بها جوجل سوق الإعلانات الرقمية، إذ تعتمد منصة “إيه دي إكس” على ربط الناشرين بالمعلنين من خلال مزادات فورية للإعلانات، بينما يحصل الناشرون على عائدات من عمليات بيع المساحات الإعلانية وتفرض جوجل رسومًا مقابل خدماتها.
وكانت وزارة العدل الأمريكية وعدد من الولايات قد اتهموا جوجل باستغلال موقعها المهيمن في أسواق تكنولوجيا الإعلانات، معتبرين أن الشركة استخدمت نفوذها في خوادم الإعلانات ومنصات تبادل الإعلانات للحد من المنافسة ودفع الناشرين نحو استخدام خدماتها.
وفي أبريل 2025، خلصت القاضية ليوني برينكيما إلى أن جوجل تمتلك احتكارات غير قانونية في سوق خوادم إعلانات الناشرين ومنصات تبادل الإعلانات، كما اعتبرت أن الشركة استخدمت خادم الإعلانات الخاص بها بصورة غير قانونية لدفع الناشرين إلى منصة “إيه دي إكس”.
لكن الخلاف لم ينتهِ عند إثبات وجود ممارسات احتكارية، إذ انتقل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما العقوبة المناسبة التي يمكن أن تحد من نفوذ جوجل دون إحداث اضطراب واسع في سوق الإعلانات الرقمية؟
قد يهمك أيضًا: “آبل” تخطط لإطلاق 5 طرازات آيفون جديدة حتى 2027 وترفع إنتاج الهواتف القابلة للطي
هنا تمسكت وزارة العدل بضرورة فرض إجراءات قوية، من بينها بيع منصة “إيه دي إكس”، بحجة أن سجل جوجل السابق لا يسمح بالاعتماد على التزامات سلوكية فقط لضمان عدم تكرار الممارسات المناهضة للمنافسة.
في المقابل، دفعت جوجل بأن بيع المنصة سيكون معقدًا من الناحية التقنية، وقد يؤدي إلى انتقال طويل ومكلف ينعكس على الناشرين والعملاء، كما فرقت بين طلب الحكومة الأمريكية وبين عرض سابق قدمته الشركة لبيع “إيه دي إكس” في إطار مساعي إنهاء تحقيق لمكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي.
وتكشف أهمية المنصة بالنسبة لجوجل عن حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بسوق الإعلانات الرقمية، رغم أن نشاط “أد مانجر” لم يمثل سوى نحو 4.1% من إجمالي إيرادات جوجل و1.5% من أرباحها التشغيلية في 2020، وفق أبحاث شركة “ويدبوش” وتحليل وثائق المحكمة.
ولا تبدو القضية معزولة عن تحول أكبر في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع شركات التكنولوجيا الكبرى. فبعد سنوات من تصاعد المطالب بتفكيك هذه الشركات، بدأت المحاكم تضع حدودًا لما يمكن أن تصل إليه الجهات التنظيمية في فرض بيع أصول أو شركات تابعة لها.
ويظهر ذلك أيضًا في قضايا أخرى، إذ رفض قاضٍ اتحادي في واشنطن محاولة لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية إجبار شركة ميتا بلاتفورمز على بيع إنستجرام وواتساب، بعدما لم تتمكن اللجنة من إثبات امتلاك الشركة احتكارًا في سوق التواصل الاجتماعي.
وفي قضية أخرى تخص جوجل نفسها، رفض قاضٍ أمريكي طلب وزارة العدل إجبار الشركة على بيع متصفح كروم، مشيرًا إلى التغيرات التي يشهدها سوق البحث مع صعود شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها أوبن إيه آي وخدمة شات جي بي تي.
وتضع هذه الأحكام السلطات الأمريكية أمام معادلة أكثر صعوبة: كيفية كبح القوة الاقتصادية لشركات التكنولوجيا الكبرى دون اللجوء بالضرورة إلى تفكيكها أو إجبارها على بيع أصولها الرئيسية.




