لم تكن انطلاقة المنتخب البلجيكي في نهائيات كأس العالم 2026 مجرد بداية متعثرة، بل كانت أشبه بجرس إنذار كاد يعصف بأحلام جيل بأكمله.
إذ تملك الإحباط جماهير “الشياطين الحمر” عقب العروض الباهتة والنتائج المخيبة في دور المجموعات، التي استُهلت بتعادل مرير أمام مصر، ثم تعادل آخر أمام إيران، قبل أن يأتي وميض أمل بانتصار على نيوزيلندا، تلاه عبور صعب من حافة الهاوية أمام السنغال في دور الـ16 بفضل هدف قاتل في اللحظات الأخيرة.
هذا السيناريو الدرامي وضع المدير الفني الفرنسي رودي جارسيا في فوهة المدفع، وأمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام للأسماء الرنانة وتوديع المونديال بمرارة، أو تنفيذ ثورة تكتيكية شاملة تتطلب شجاعة وجرأة كبيرتين.
ولم يتأخر جارسيا في اتخاذ قراره؛ إذ أدرك أن أزمة فريقه لم تكن في جودة اللاعبين، بل في غياب الحافز وخمود جذوة الشغف لدى بعض النجوم الذين اعتبروا أماكنهم في التشكيلة الأساسية حقًا مكتسبًا لا يقبل النقاش.
وجاءت المواجهة المصيرية أمام منتخب الولايات المتحدة الأمريكية على ملعب سياتل لتشهد ميلادًا جديدًا لبلجيكا، بعدما ضرب جارسيا بيد من حديد وأطاح بعدد من أبرز ركائز الفريق إلى مقاعد البدلاء، مانحًا الفرصة لعناصر متعطشة للنجاح ومفعمة بالروح القتالية.
ولم تمنح هذه الجرأة التكتيكية بلجيكا بطاقة العبور إلى الدور ربع النهائي برباعية مدوية فحسب، بل قدمت للعالم النسخة الأجمل والأكثر تكاملًا لـ”الشياطين الحمر” في البطولة، لتؤكد أن الشغف يتفوق دائمًا على الأسماء.
بالعودة إلى بداية مشوار بلجيكا في المونديال، وتحديدًا في المباراة الافتتاحية أمام منتخب مصر، راهن الجهاز الفني على الحرس القديم والأسماء اللامعة في الملاعب الأوروبية.
ودخل الفريق بتشكيلة ضمت صانع الألعاب المخضرم كيفين دي بروين، والجناح السريع جيريمي دوكو، خلف المهاجم شارل دي كيتيلير، ورغم السيطرة النسبية، افتقد الفريق إلى الروح والسرعة والقدرة على صناعة الفارق، فبدت خطوطه متباعدة وأداؤه باهتًا.
تصفح أيضًا: رسميًا.. تخفيض عقوبة الزمالك بشان أزمة السوبر الإفريقي
وأمام الولايات المتحدة، انقلبت الصورة تمامًا؛ إذ أظهر رودي جارسيا شخصية حاسمة، وتخلى عن الأسلوب التقليدي، مفضلًا الإبقاء على الثنائي دي بروين ودوكو على مقاعد البدلاء.
ودفع بتشكيلة مختلفة اعتمد فيها على عناصر متعطشة لإثبات الذات، مثل نيكولاس راسكين في وسط الملعب، ودودي لوكيباكيو، إلى جانب لياندرو تروسارد، لدعم المهاجم الشاب شارل دي كيتيلير.
أحدث هذا التغيير الجذري تحولًا كبيرًا في الأداء البلجيكي؛ إذ انتقل الفريق من مجموعة من النجوم الذين بدا عليهم التأثر بالإرهاق وتشبع البطولات، إلى منظومة جماعية متماسكة تمارس ضغطًا عاليًا وتلعب بحماس كبير.
وتجسد هذا التحول في التألق اللافت للمهاجم الشاب شارل دي كيتيلير، الذي أربك الدفاع الأمريكي وسجل هدفين، مقدمًا مباراة استثنائية، ليتوج رسميًا بجائزة أفضل لاعب في المباراة.
ولم يقتصر التميز على الفاعلية الهجومية، بل منحت الحيوية التي أضافها لاعبو الوسط والبدلاء المنتخب البلجيكي توازنًا افتقده منذ بداية البطولة.
وعجز المنتخب الأمريكي عن مجاراة النسق البدني المرتفع والضغط المتواصل الذي فرضه رجال غارسيا، الذين لعبوا بروح استثنائية ورغبة كبيرة في إثبات أن “الشياطين الحمر” لا يعتمدون على اسم لاعب واحد، مهما بلغت مكانته.
بعد هذا العرض المبهر والانتصار العريض بأربعة أهداف مقابل هدف، طوى المنتخب البلجيكي صفحة الشكوك والانتقادات، وأعلن نفسه منافسًا حقيقيًا على لقب كأس العالم بعدما استعاد هويته المفقودة.
وضرب “الشياطين الحمر” موعدًا ناريًا مع المنتخب الإسباني في الدور ربع النهائي، في مواجهة تجمع بين الانضباط التكتيكي لـ”لاروخا” والروح القتالية المتجددة لبلجيكا.
وستكون المواجهة المرتقبة أمام إسبانيا، المقررة يوم 10 يوليو الجاري في تمام الساعة العاشرة مساءً، الاختبار الحقيقي لنجاح قرارات جارسيا الجريئة؛ إذ سيدخل المنتخب البلجيكي اللقاء بعقلية مختلفة وثقة استعادها بقوة بعد رباعية سياتل، واضعًا نصب عينيه مواصلة المشوار نحو المربع الذهبي.




