رأت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن الولايات المتحدة تخوض اليوم أكبر مقامرة اقتصادية وتكنولوجية في تاريخها الحديث، واضعة مستقبلها الاقتصادي والأمني على رهان واحد يتمثل في الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي مع الصين.
وأكدت المجلة أن هذا القطاع لم يعد مجرد مجال واعد للتقنيات المستقبلية، بل أصبح المحرك الرئيس للنمو والاستثمار وأسواق المال الأمريكية، وسط تحذيرات متزايدة من أن يتحول هذا الرهان إلى فقاعة قد تكون تداعياتها أشد من أزمتي الإنترنت عام 2000 والرهن العقاري عام 2008.
فبحسب مؤشرات الأسواق، يقود الذكاء الاصطناعي معظم الاستثمارات الجديدة في الولايات المتحدة، بينما تستحوذ مراكز البيانات الخاصة به على نحو نصف الاستثمارات التجارية. كما أصبحت شركات الذكاء الاصطناعي تمثل نسبة متزايدة من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية، مع توقعات بأن تتجاوز نصف السوق إذا مضت شركات ذكاء اصطناعي كبرى، في طرح أسهمها للاكتتاب العام خلال الأشهر المقبلة.
وأشارت المجلة الأمريكية إلى ثلاثة عوامل رئيسية تدفع هذا السباق المحموم، فيما تسعى واشنطن بقوة من أجل الفوز به. أولها الطموحات المالية الهائلة، حيث أصبح الحديث يدور عن تريليونات الدولارات وليس مليارات فقط، مع ما يرافق ذلك من نفوذ سياسي وشهرة غير مسبوقين لرواد هذه الصناعة.
أما العامل الثاني، فيتمثل في الأزمة المالية الأمريكية، حيث تعاني واشنطن عجزا ماليا متفاقما ودينا عاما تتجاوز فوائد خدمته الإنفاق الدفاعي، ما يجعل صناع القرار يعولون على طفرة إنتاجية يقودها الذكاء الاصطناعي لإنقاذ الاقتصاد.
تصفح أيضًا: الصين تفاجئ المنافسين.. Kimi K3 يدخل سباق القمة بأضخم نموذج AI مفتوح
ويتمثل العامل الثالث في الاعتبارات الأمنية، إذ يعتقد قطاع واسع من الاستراتيجيين الأمريكيين أن الدولة التي تحقق أولا ما يعرف بالذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهو نوع مستقبلي من الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات معرفية وفكرية تشبه الإنسان، على عكس الأنظمة الحالية التي تبرع في مهام محددة فقط (مثل توليد النصوص أو تحليل الصور)، ستكتسب تفوقا عالميا حاسما يصعب اللحاق به، وهو ما يفسر وصف عدد من المسؤولين الأمريكيين هذا السباق بأنه “معركة لا بد من الفوز بها”.
وشددت المجلة الأمريكية على أنه رغم هذه الرؤية المتفائلة، إلا أن هناك عدة تساؤلات حول مدى حكمة تركيز هذا الحجم الهائل من الاستثمارات في قطاع واحد. فالمؤسسات الاستثمارية الكبرى عادة ما تتجنب وضع معظم أصولها في مجال شديد التقلب، في حين يتدفق اليوم أكثر من 80% من رؤوس الأموال الاستثمارية العالمية المخصصة للشركات الناشئة نحو شركات الذكاء الاصطناعي، فيما أعلنت شركات التكنولوجيا العملاقة عن خطط لإنفاق يتجاوز تريليون دولار خلال هذين العامين.
ونبهت “فورين بوليسي” أيضا إلى مخاطر أخرى تتجاوز الاقتصاد، منها احتمال إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة بيولوجية أو شن هجمات إلكترونية واسعة، وهي مخاوف عبر عنها كبار قادة الصناعة أنفسهم، الذين دعوا إلى وضع ضوابط صارمة تحول دون تحول هذه التقنية إلى تهديد وجودي للبشرية.
لكن الخطر الأكثر إلحاحا، في رأي المجلة، يتمثل في احتمال انفجار ما وصفته ب “فقاعة الذكاء الاصطناعي”. فقد بدأت مؤسسات مالية دولية تحذر من أن تقييمات الشركات العاملة في هذا المجال تجاوزت مستويات الأرباح بصورة تذكرنا بفترة ما قبل انهيار عام 1929. كما بدأت مؤشرات على تراجع العائدات بالظهور مع انخفاض أسعار النماذج الذكية واحتدام المنافسة، خاصة بعد نجاح شركات صينية في تقديم نماذج تضاهي نظيراتها الأمريكية بتكلفة أقل بكثير.
وفي هذا الصدد، أوضحت المجلة أن الصين تتبع نهجا مختلفا جذريا. فبدلا من ضخ استثمارات هائلة لبناء مراكز بيانات عملاقة، تركز بكين على دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية لرفع الإنتاجية وتسريع الابتكار وتحسين الخدمات العامة. كما تعتمد الشركات الصينية على تطوير نماذج مفتوحة المصدر منخفضة التكلفة، ما يسهم في انتشارها عالميا بوتيرة متسارعة.
وأخيرا، فإن نجاح الرهان الأمريكي قد يمنح واشنطن دفعة اقتصادية واستراتيجية غير مسبوقة، لكن فشله قد يقود إلى أزمة مالية عالمية تتجاوز آثار الأزمات السابقة، مع تداعيات خطيرة على الاقتصاد والأمن القومي الأمريكيين، فضلا عن مكانة الولايات المتحدة الدولية، في وقت تواصل فيه الصين تعزيز حضورها عبر نماذج أقل تكلفة وأكثر انتشارا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.




