أصابت كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي شكّك خلال خطاب وجّهه للأمة ليل الخميس في نزاهة انتخابات عام 2020، الديمقراطيين بالذهول. ورأى البعض في توقيت هذا الخطاب قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية، محاولة تمهيد للتشكيك بنتائج الانتخابات النصفية في حال خسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس.
ورغم أن خطابه تمحور بشكل أساسي حول انتخابات عام 2020 التي خسر فيها بفارق نحو 7 ملايين صوت مقابل منافسه حينها جو بايدن، فإن الديمقراطيين رأوا بين سطوره محاولة لزرع بذور الشك في نفوس الناخبين الأميركيين. وقال زعيمهم في مجلس الشيوخ، تشاك شومر إن «ترمب يعلم أنه خسر دعم العائلات الأميركية، ويعلم أن سياساته أدّت إلى ارتفاع الأسعار ووضع حياة عائلاتهم وأصدقائهم في خطر بسبب حرب غير ضرورية، وأحرج البلاد على الساحة الدولية». وتابع شومر: «بدلاً من تغيير سياساته، هو يعمل على تزييف الانتخابات النصفية قبل أن يتم الإدلاء بأي صوت». وتوعّد بأن الديمقراطيين لن يسمحوا له بتحقيق هذا الهدف.
زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ تشاك شومر في 15 يوليو 2026 (رويترز)
وحذّر عدد من الديمقراطيين من محاولات ترمب تقويض ثقة الأميركيين بالنظام الانتخابي، مشيرين إلى غياب الدلائل التي تدعم ادّعاءات الرئيس الأميركي. وقال مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، التي حققت في ادّعاءات الغش في انتخابات عام 2020: «كأميركي، أشعر بالحرج. أشعر بالحرج لأن رئيس الولايات المتحدة حاول مخاطبة الأمة بأسرها عبر سلسلة من الادعاءات الكاذبة والاتهامات، التي تهدف إلى تقويض ثقة الأميركيين بنظامنا».
ولم يتوقف الديمقراطيون عند هذا الحد، بل لوّح بعضهم بعزل الرئيس الأميركي. وشنّ النائب الديمقراطي سيث مولتون هجوماً لاذعاً ضده، واصفاً الخطاب بـ«الهذيان من قبل مجنون عنصري مختل» على حد تعبيره، معتبراً أن الخطاب كان هجوماً على أسس الديمقراطية الأميركية. وأضاف: «لم تعد الدعوات إلى عزله كافية. علينا أن نبذل جهداً أكبر وأن نُنظّم صفوفنا بشكل أفضل لمواجهة هذه المناورة الجبانة واليائسة للتشبث بالسلطة».
كما تأهّب الحكام الديمقراطيون في 24 ولاية رداً على ادعاءات ترمب بأن الولايات الديمقراطية ساهمت في الغش في الانتخابات. وقالوا في بيان مشترك إن «أي قدر من الأكاذيب ونظريات المؤامرة لن يغيّر حقيقة أن انتخابات بلادنا أثبتت مراراً أنها آمنة ونزيهة». واعتبر هؤلاء أن هذه الهجمات تهدف إلى ترهيب الناخبين وإسكاتهم، مُتعهّدين بالتصدي لإدارة ترمب «لوقف أي محاولات غير قانونية تستهدف الحق الدستوري لكل أميركي في التصويت»، في إشارة إلى مشروع «انقذوا أميركا» الانتخابي الذي يضغط ترمب على الجمهوريين في الكونغرس لإقراره.
وبدا استياء الرئيس الأميركي واضحاً خلال خطابه من «تلكؤ» القيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ طرح هذا المشروع المثير للجدل للتصويت. وقال إن «أزمة أمن الانتخابات تفرض على الكونغرس إقرار قانون إنقاذ أميركا. ما مدى صعوبة ذلك؟ الأمر سهل للغاية، إلا إذا كانوا يريدون الغش».
اقرأ ايضا: الشرطة البريطانية تفرج عن موقوف في قضية مقتل برلمانية سابقة
مركز انتخابي في لوس أنجليس يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
ويسعى الديمقراطيون لمواجهة هذه الاتهامات بحزم، فهم يعتبرون أن المشروع المطروح سيؤدي إلى قمع الناخبين. وأشار السيناتور الديمقراطي كريس كونز إلى أن هذه الجهود تصُبّ في إطار حملة ترمب لنقل إدارة الانتخابات من الولايات إلى السلطة الفيدرالية، ومنع التصويت عبر البريد، وإحكام السيطرة على العملية الانتخابية بطريقة تمنحه فرصة أفضل لتجنب خسارة الانتخابات النصفية، على حد قوله. وأعرب كونز عن أمله في ألا تخضع القيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ لضغوط ترمب في السعي لإقرار المشروع.
السيناتور الجمهوري توم تيليس في جلسة استماع بمجلس الشيوخ 15 يوليو 2026 (أ.ب)
يعلم الجمهوريون، رغم أغلبيتهم، أنهم لا يتمتعون بالأصوات اللازمة لإقرار مشروع من هذا النوع؛ ليس بسبب المعارضة الديمقراطية فحسب، بل نظراً لرفض عدد من الجمهوريين لتفاصيله.
فترمب في سعيه لبسط نفوذه على الحزب في الانتخابات التمهيدية، أوقع ضحايا عدة في صفوف أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الحاليين، الذين باتوا يرفضون الانصياع لتعليماته بعد خسارتهم. بين هؤلاء السيناتور الجمهوري توم تيليس الذي قرر عدم الترشح لمنصبه مجدداً بسبب علاقته المتوترة بالرئيس الأميركي. وقد تعهّد بإسقاط مشروع «أنقذوا أميركا»، الذي يسعى الجمهوريون في مجلس النواب لإدراجه في مشروع المصالحة، بكل ما أوتي من قوة. وقال: «إذا وصلني من مجلس النواب مشروع قانون للمصالحة يتضمن محاولة أخرى فاشلة للتشويش على هذه الانتخابات، فسأستخدم كل الأدوات البرلمانية المتاحة لي لإبطاء عمل الحكومة إلى أن يدرك الجميع حقيقة ما يجري ويستوعبوا الوقائع». واعتبر تيليس أن المشروع يعاني من «عيوب جوهرية»، ويستحيل تطبيقه قبل الانتخابات النصفية.
قرر عدد من المحطات التلفزيونية عدم بث خطاب ترمب (رويترز)
وكان من اللافت أن بعض المحطات التلفزيونية قرّرت عدم بث خطاب ترمب على عكس العادة. وأدّى ذلك إلى تذمر الرئيس وبعض الديمقراطيين الذين رأوا في خطابه فرصة لحشد المزيد من أصوات الأميركيين. فهم اعتبروا أن إعادة طرح قضية الغش في انتخابات عام 2020 تظهر بُعد ترمب عن هموم الناخب الأميركي الحالية المتعلقة بالاقتصاد وتكلفة المعيشة. وقال المساعد السابق للرئيس باراك أوباما، دان فايفر، إنه ورغم تفهمه لقرار بعض المحطات عدم بث خطاب ترمب، فإنه كان يتمنى أن يتم بثه «في منزل كل ناخب يعيش في دائرة انتخابية متأرجحة».




