بات مشروع «قانون تعزيز التضامن والاندماج الاجتماعي» في تركيا على بُعد خطوة واحدة من إقراره في إطار «عملية السلام» التي تستند إلى حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، التي تُطلق عليها أنقرة «عملية تركيا خالية من الإرهاب».
ووافقت «لجنة العدل» بالبرلمان التركي، السبت، على مشروع القانون المؤلف من 12 مادة، بما في ذلك المواد التي تُحدد شروط تنفيذه، بعد مناقشات استغرقت 17 ساعة ونصف الساعة، وسيبدأ البرلمان مناقشته في جلساته العامة، الاثنين، بعدما أرجأ عطلته الصيفية التي كان مقرراً أن تبدأ نهاية يوليو (تموز) الماضي، إلى الثلاثاء.
ويتضمن مشروع القانون مواد تنظم عودة مسلّحي حزب «العمال الكردستاني» بعد تسليم أسلحتهم، والمدنيين، من مواقع يتركزون فيها في جبل قنديل شمال العراق، كما يُحدد أيضاً آليات التعامل مع أوضاعهم عبر النظام القضائي، وإعادة دمجهم في المجتمع وفق شروط محددة.
وتُحدد مواد المشروع طريقة تسليم الأسلحة والذخائر، وينص على حفظ المواد المصادَرة من أعضاء حزب «العمال الكردستاني» الذين يُلقون أسلحتهم أو التي يسلمونها بإرادتهم، في مكان آمن بوصفها أدلة، أما المركبات والأموال والبضائع المصادَرة من أعضاء الحزب الذين يعودون إلى المجتمع فتُسجل بوصفها إيرادات للخزينة العامة.
كما يتضمن مواد تتعلق بتأجيل العقوبات أو الملاحقات الأمنية لمسلحي الحزب لمدد تتراوح بين 5 و10 سنوات، مع عدم سريان التقادم على القضايا خلال فترة التأجيل، وإلغائه حال ارتكاب جريمة خلالها.
سيضمن قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» عودة آلاف من عناصر «العمال الكردستاني» إلى تركيا (رويترز)
ويحدد شروطاً لتنفيذ مواده بعد إقرار القانون بالبرلمان، في مقدمتها التحقق والتأكد من جانب المؤسسات الأمنية التركية من انتهاء حزب «العمال الكردستاني – اتحاد المجتمعات الكردستانية (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية)» فعلياً من الوجود، وتسليم جميع الأسلحة والذخائر، التي كانت تحت سيطرة الحزب، وأن تتم المصادقة على هذا التحقق والتأكد بقرار من «مجلس الأمن القومي» التركي، يُنشر في الجريدة الرسمية.
وبموجب القانون المقترح، سيتم إنشاء مجلس خاص برئاسة نائب رئيس الجمهورية التركي، وعضوية وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، بالإضافة إلى الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ورئيس المخابرات، والأمين العام لمجلس الأمن القومي، ومنحه صلاحية تشكيل لجان فرعية وتكليفها بمهام محددة لضمان سير عملية حل المنظمة (العمال الكردستاني) وتسليم أسلحتها، والتحقق من هذه الخطوات وتأكيدها. كما سيتم إنشاء لجنة مراقبة خاصة داخل البرلمان، تُعنى بالدراسات المتعلقة بتنفيذ القانون ومراقبة سير العملية.
وخلال مناقشة مشروع القانون، الذي وقّعه 367 نائباً من أحزاب «العدالة والتنمية»، و«الحركة القومية» وهدى بار (المنضوية تحت «تحالف الشعب»)، و«الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، ومجموعة «الطريق الجديد» (الديمقراطية والتقدم، والسعادة والمستقبل)، وحزب «اليسار الديمقراطي»، وصف ممثلو حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» مشروع القانون بأنه «نتاج توافق تاريخي» ولا يعد «عفواً عاماً».
جانب من اجتماع لجنة العدل بالبرلمان التركي لمناقشة مشروع قانون يُعيد دمج عناصر «العمال الكردستاني» في المجتمع بعد حله (حساب رئيس اللجنة جنيد كوكسال في «إكس»)
اقرأ ايضا: مصر تعزز مخزون السلع الاستراتيجية لـ«فترات طويلة»
وانتقد ممثلو حزبي «الشعب الجمهوري» و«مجموعة الطريق الجديد» غياب الديمقراطية في العملية، ورأت الأخيرة أن مشروع القانون يعد «عفواً عاماً مشروطاً» عن أعضاء «العمال الكردستاني».
وامتنع حزب المعارضة الرئيسي (الحزب الجديد)، برئاسة أوزغور أوزيل، عن التوقيع على مشروع القانون، على الرغم من تأييده وتأكيده المشاركة في مختلف مراحلها المقبلة، احتجاجاً على الأسلوب الذي جرى به جمع التوقيعات عليه دون عرضه على الأحزاب أولاً.
وطالب حزب «الجيد» القومي، الذي أعلن منذ البداية مقاطعته العملية برمتها، ببث مناقشات لجنة العدل لمشروع القانون على الهواء مباشرة ليطلع عليها الشعب، لكن رئيس اللجنة النائب من حزب «العدالة والتنمية»، جنيد يوكسال، رفض هذا الطلب، وحذّر النواب المشاركين في المناقشات من نشر أي مقاطع منها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وشدد على أن مشروع القانون لا يهدف إلى وضع تشريع للعفو العام عن أعضاء «العمال الكردستاني»، وأنه «لا يوجد أي قانون يلغي أحكام الإدانة، أو يُغير الطبيعة القانونية للجرائم، أو يُسقط المسؤولية الجنائية».
ويُشكل مشروع القانون خطوة مهمة على طريق عملية السلام التي انطلقت بمبادرة من «تحالف الشعب» في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ومرت بعدد من المراحل، بدءاً بدعوة زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا، عبد الله أوجلان، في 27 فبراير (شباط) 2025، للحزب إلى حلّ نفسه وإلقاء أسلحته، وإنهاء مرحلة النزاع المسلح التي بدأت عام 1984، وراح ضحيتها أكثر من 40 ألف شخص، والانتقال إلى مرحلة العمل السياسي في إطار قانوني ديمقراطي، وما أعقبها من خطوات أقدم عليها الحزب بطلب من أوجلان لإثبات الالتزام بندائه من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي.
أعلن حزب «العمال الكردستاني» خلال مؤتمر في شمال العراق 12 مايو 2025 حل نفسه وإلقاء أسلحته استجابة لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)
واستند المشروع إلى التقرير المشترك «للجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» الذي رفعته إلى البرلمان في 18 فبراير (شباط) الماضي، بعد عمل استمر منذ تشكيلها في 5 أغسطس (آب) 2025.
وتعدّ هذه هي المرة الأولى التي تصل مفاوضات للسلام، وحلّ المشكلة الكردية في تركيا، إلى مرحلة التشريع؛ حيث فشلت محاولتان سابقتان عامي 2009 و2013 في الاتفاق على صيغة لحلّ «العمال الكردستاني»، المصنف من جانب تركيا وحلفائها الغربيين «منظمة إرهابية»، ونزع أسلحته، ولم يشارك البرلمان في هاتين العمليتين.
مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح أوجلان (رويترز)
وبينما تتصاعد المطالب الكردية بشأن إطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا منذ 27 سنة، لم يتضمن مشروع القانون أي إشارة إلى تغيير وضعه، لكن صدرت مؤشرات عن الحكومة إلى تحسين وضعه والسماح له بعقد لقاءات في محبسه في سجن «إيمرالي» مع مَن يريد من الصحافيين والأكاديميين.




