انكشف المستور.. فاشتعل الصراخ، فلم تكن موجة الهجوم التي أعقبت حلقة الإعلامي عمرو أديب مع الكاتب الصحفي عبد الرحيم علي مجرد خلاف عابر حول مضمون حلقة تليفزيونية، وإنما كشفت عن حالة ارتباك بعدما خرجت إلى الواجهة ملفات تحاول جماعة الإخوان الإرهابية ومنصاتها في الخارج إبقاءها بعيدا عن دائرة النقاش، وفي مقدمتها التسريبات ومصادر التمويل والعلاقات الخارجية، وصولا إلى بروز مصطلح «الجاسوسية» داخل المواجهة.
عمرو أديب وصف ردود الفعل بأنها تجاوزت حدود الرد الطبيعي، مشيرا إلى أن الحلقة استمرت ساعة واحدة، بينما امتدت الردود عليها – بحسب تدوينته – لنحو 20 ساعة، والمفارقة هنا أن الهجوم بدأ بمحاولة التقليل من شأن ما جرى عرضه، قبل أن يتحول إلى تبرير وصراخ وهجوم متواصل، وهنا يفرض المشهد سؤالا بسيطا: إذا كان ما طرحته الحلقة بلا قيمة، فلماذا كل هذا الاستنفار؟
الإجابة التي تفرض نفسها من زاوية أديب أن المشكلة لم تكن في الحلقة وحدها، وإنما في أنها دفعت إلى كشف آلية العمل نفسها، من أين تأتي المعلومات، ومن يمول النشاط، وما طبيعة العلاقات والتحركات في الخارج، ومن يقف خلف المؤتمرات والمنصات التي تتحدث باسم المصريين.
فالجماعات التي تعتمد على الشعارات تستطيع مواجهة النقد بالنقد، لكن عندما تنتقل المواجهة إلى التفاصيل، يصبح الأمر أكثر صعوبة، فكشف مصادر التمويل، وطبيعة الاتصالات، ومسارات المعلومات، يضيق مساحة المناورة ويجعل الرواية التي تقدمها المنصات أمام الجمهور عرضة للاختبار.
وفي قلب هذه المواجهة برز ملف «الجاسوسية»، بعدما قال أديب إنه يفرق بين المعارضة التي يحترمها وبين من وصفهم بالعملاء والجواسيس، متحدثا عن اعتراف بوجود جواسيس بين أطراف المواجهة، ومعتبرا أن ذلك يؤكد ما طرحته الحلقة.
قد يهمك أيضًا: الشئون العربية بالنواب: تعامل الدولة مع حادث ميناء دمياط يعكس قوة المؤسسات
ومن هنا يعود ملف التمويل ليصبح الخيط الآخر في القصة، “أديب” طرح السؤال بصورة مباشرة: «الفلوس منين؟»، وهو سؤال لا يستهدف المعارضة السياسية في حد ذاتها، وإنما يطلب كشف مصادر تمويل الأنشطة والمؤتمرات والمنصات التي تعمل في الخارج.
فالمال ليس تفصيلا هامشيا عندما يتعلق الأمر بنشاط سياسي وإعلامي منظم، إذ يمكن لمصدر التمويل أن يكشف طبيعة النشاط والجهات الداعمة له، كما أن معرفة مصادر المعلومات تساعد على فهم السياق الذي تتحرك داخله المنصات.
لهذا، فإن الضربة التي أصابت خطاب الإخوان الإرهابية لم تكن في مجرد عرض معلومات، وإنما في إجبار هذا الخطاب على مواجهة أسئلة لا يستطيع الصراخ وحده الإجابة عنها.
الهجوم قد يشوش على النقاش لبعض الوقت، لكنه لا يعيد الأسئلة إلى الظلام فإذا كانت التسريبات غير صحيحة، فالدليل هو الرد، وإذا كانت الاتهامات بلا أساس، فالمستندات قادرة على تفنيدها. وإذا كان التمويل مستقلا ومشروعا، فإن الإعلان عن مصادره يضع حدا للجدل، أما الاكتفاء بمهاجمة الحلقة وصناعها، فيترك السؤال مفتوحا
وهنا تحديدا تتضح دلالة عبارة عمرو أديب: «ساعة بوظت ألف ساعة»؛ فالحلقة لم تكن مجرد ساعة على الشاشة، وإنما لحظة نقلت النقاش من الشعارات إلى التفاصيل، ومن الحديث عن «المعارضة» إلى أسئلة التمويل والعلاقات والتسريبات والجاسوسية.
فالمنظومات التي تعمل في الظل لا تخشى النقد بقدر ما تخشى أن تصبح آليات عملها مكشوفة أمام الناس وعندما يسقط جزء من الستار، لا يستطيع الصراخ وحده أن يعيده إلى مكانه.




